تحليل سوق

وول ستريت الخضراء تخفي سوقًا آخر.. أموال تخرج ومئات الأسهم تسجل قيعانًا جديدة

 وول ستريت الخضراء تخفي سوقًا آخر.. أموال تخرج ومئات الأسهم تسجل قيعانًا جديدة

💡 خلاصة التحليل:

رغم استقرار S&P 500 وارتفاع ناسداك، تكشف بيانات اتساع السوق وتدفقات الصناديق عن ضعف واضح تحت السطح، مع تزايد الأسهم التي تسجل قيعانًا جديدة وخروج الأموال من صناديق الشركات الكبرى، ما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة بقية السوق على اللحاق بالأسهم العملاقة.

على شاشة المؤشرات، لا يبدو أن وول ستريت تعاني أزمة كبيرة. أنهى مؤشر S&P 500 جلسة الجمعة مرتفعًا بنحو 0.17%، وأضاف ناسداك نحو 0.40%، وحتى على مستوى الأسبوع ظل S&P 500 شبه مستقر، بينما أنهى ناسداك الأسبوع على ارتفاع.

لكن تحت سطح المؤشرات، تظهر صورة مختلفة تمامًا. في بورصة نيويورك، تجاوز عدد الأسهم الهابطة نظيرتها الصاعدة خلال جلسة الجمعة، وسجل 346 سهمًا قيعانًا جديدة في 52 أسبوعًا، مقابل 92 سهمًا فقط سجلت قممًا جديدة. وحتى داخل السوق الأوسع، بدت المشاركة في الصعود أضعف بكثير مما يوحي به اللون الأخضر للمؤشرات الرئيسية. وفي الوقت نفسه، تقول الأموال شيئًا ثالثًا. بيانات تدفقات الصناديق أظهرت أن صناديق الأسهم الأميركية تعرضت لصافي سحوبات بلغ 31.44 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 18 سبتمبر، في رابع أسبوع متتالٍ من التدفقات الخارجة. وكانت صناديق الشركات الكبرى صاحبة النصيب الأكبر من السحوبات، بخروج 28.71 مليار دولار، بينما استقبلت صناديق الشركات الصغيرة نحو 568 مليون دولار. إذن ما يحدث ليس مجرد هروب شامل من الأسهم، وإنما قد يعكس أيضًا إعادة توزيع وانتقاء للأموال داخل السوق. كيف يصمد المؤشر إذن؟ هنا تظهر واحدة من أهم خصائص السوق الأميركية الحالية: ارتفاع المؤشر لا يعني بالضرورة ارتفاع أغلبية الأسهم. مؤشر S&P 500 مرجح بالقيمة السوقية؛ وبالتالي تستطيع مجموعة محدودة من الشركات العملاقة أن تعوض ضعف عشرات أو حتى مئات الأسهم الأصغر. وإذا كانت الأسهم ذات الأوزان الأكبر، خصوصًا في التكنولوجيا، متماسكة أو صاعدة، فقد يبقى المؤشر أخضر رغم أن التجربة الفعلية لقطاع واسع من المستثمرين مختلفة تمامًا. بمعنى أبسط: المؤشر يمكن أن يكون أخضر بينما محفظة المستثمر العادي حمراء. وهذه هي الفجوة التي تجعل متابعة المؤشر وحده غير كافية حاليًا. مؤشرات مثل نسبة الأسهم الصاعدة إلى الهابطة، وعدد القمم والقيعان الجديدة، وأداء المؤشرات متساوية الأوزان مقارنة بالمؤشرات المرجحة بالقيمة السوقية، تصبح مهمة لفهم ما يحدث تحت السطح.

لكن من يشتري إذا كانت الأموال تخرج؟ هنا يجب الحذر من تفسير رقم 31.44 مليار دولار بصورة حرفية. كل عملية بيع لسهم في السوق الثانوي لها مشترٍ في الجانب الآخر؛ لذلك بيانات تدفقات الصناديق لا تعني أن 31 مليار دولار اختفت من البورصة. هي تقيس صافي الاستردادات من فئات محددة من الصناديق، ولا تمثل وحدها كل مصادر الطلب على الأسهم. كما أن الصورة نفسها تظهر دورانًا داخليًا: أموال خرجت بقوة من صناديق الشركات الكبرى، بينما دخل جزء من الأموال إلى الشركات الصغيرة وبعض القطاعات. لذلك قد يكون السؤال الأدق ليس: من يشتري الـ31 مليار؟ وإنما: إلى أين تنتقل الأموال، وأي أسهم ما زالت قادرة على جذب المشترين؟ وماذا عن تفاؤل تومي لي وUBS؟ هذه البيانات لا تنسف بالضرورة الرؤية المتفائلة التي ظهرت خلال الأيام الماضية. UBS أعاد التأكيد على نظرته الإيجابية للأسهم العالمية خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، مستندًا إلى صمود الأرباح واتجاهات النمو الهيكلي وتعافي التصنيع ونمو الائتمان، مع استمرار الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي كعامل دعم مهم. وتتقاطع هذه الرؤية جزئيًا مع التفاؤل الذي عبّر عنه تومي لي تجاه قدرة الأسهم على مواصلة الصعود بعد انقشاع جزء من عدم اليقين، رغم الضغوط المرتبطة بالفائدة والعوائد. المشكلة إذن ليست بالضرورة في سيناريو الأشهر المقبلة، وإنما في جودة السوق الذي يفترض أن يقود هذا الصعود. وول ستريت تدخل المرحلة المقبلة وهي تحمل تناقضًا واضحًا: أرباح الشركات والذكاء الاصطناعي يدعمان قصة الصعود، لكن عوائد السندات المرتفعة وتشديد السياسة النقدية وضعف اتساع السوق تخلق طبقة أخرى من المخاطر. لذلك ربما يكون السؤال الأهم في الأسابيع المقبلة ليس: هل يستطيع S&P 500 الصعود؟ بل: هل تستطيع بقية السوق اللحاق به؟ إذا بدأت القيعان الجديدة في الانخفاض، وتحسنت نسبة الأسهم الصاعدة إلى الهابطة، واتسعت المشاركة بعيدًا عن التكنولوجيا والأسهم العملاقة، فسيصبح التفاؤل مدعومًا بسوق أكثر اتساعًا. أما استمرار المؤشرات قرب القمم بينما تزداد الأسهم التي تسجل قيعانًا جديدة وتستمر التدفقات الخارجة، فسيعني أن قوة المؤشر تخفي هشاشة متزايدة تحته. وهنا تكمن المفارقة الحالية في وول ستريت: السوق لم ينهَر، والمتفائلون ما زال لديهم حجج، لكن تحت اللون الأخضر على الشاشة هناك مئات الأسهم التي تحكي قصة مختلفة تمامًا