تحليل سوق

«مستقبل التمويل».. هل تنتقل سلطة المال من البنوك إلى المنصات؟

«مستقبل التمويل».. هل تنتقل سلطة المال من البنوك إلى المنصات؟

💡 خلاصة التحليل:

يستعرض الكتاب تحول التمويل من الخدمات المصرفية التقليدية إلى الإقراض الرقمي والتمويل المدمج واقتصاد المنصات، موضحًا كيف يمكن للبيانات والذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية إعادة تشكيل الوصول إلى الائتمان والاستثمار، مع بقاء مخاطر التقييم والسيولة والشفافية والاستقرار المالي قائمة.

قد لا يحتاج قرضك المقبل إلى زيارة بنك، وقد يأتي تمويل مشروعك من مستثمرين تصل إليهم عبر منصة رقمية. أما التأمين، فقد تشتريه داخل التطبيق الذي حجزت منه رحلتك، دون أن تبحث عن شركة تأمين. في هذه الصورة، تتراجع المسافة بين الخدمة المالية والحياة اليومية، ويصبح السؤال: من يتحكم في البنية التي تتحرك الأموال عبرها؟

هذه هي المساحة التي يستكشفها فرانشيسكو فيليا ودانييلي غيريني في كتابهما «مستقبل التمويل: المد المتصاعد للإقراض عبر التكنولوجيا المالية واقتصاد المنصات»، الصادر بالإنجليزية عن دار «وايتفوكس» عام 2024. يقدم الكتاب تصورًا لتحولات التمويل، يتجاوز تطوير تطبيقات البنوك إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المقترض والمستثمر والوسيط المالي.

ينطلق المؤلفان من أطروحة نقدية: ازدهار الأسواق المالية لا يعني بالضرورة وصول التمويل إلى من يحتاجونه في الاقتصاد الحقيقي. فقد تتوافر الأموال للاستثمار في الأصول، بينما يواجه المستهلك أو صاحب المشروع الصغير صعوبة في الحصول على الائتمان. وفي هذه الفجوة، يضع الكتاب الإقراض عبر التكنولوجيا المالية بوصفه مسارًا بديلًا يمكنه خدمة شرائح لا تلبي البنوك احتياجاتها.

تستحق هذه الأطروحة التوقف عندها، لكن التعامل معها باعتبارها وصفًا شاملًا لكل الأسواق سيكون تبسيطًا. السؤال الأدق هو: أين تعجز قنوات التمويل القائمة، وما الذي تستطيع المنصات تقديمه بتكلفة وشروط أفضل؟

لفهم الفكرة، يمكن تخيل صاحب متجر يحتاج إلى تمويل لشراء بضائع. بدلًا من الاعتماد على ملفه المالي التقليدي وحده، تستطيع منصة رقمية الاستعانة ببيانات المبيعات والتحصيل لتكوين صورة عن نشاطه. هذا مثال توضيحي لإمكانات النموذج؛ فزيادة البيانات قد تساعد على تقييم المقترض، لكنها لا تضمن قدرته على السداد.

ويمتد التحول إلى «التمويل المدمج»، أحد المحاور التي يعرضها الكتاب: إدخال الدفع والائتمان والتأمين والاستثمار داخل المنتجات والخدمات الرقمية التي يستخدمها العميل بالفعل. هنا تصبح المنصة نقطة الوصول إلى الخدمة المالية، حتى لو كانت مؤسسة أخرى تتولى تقديمها في الخلفية.

يمكن قراءة ذلك بوصفه تحولًا في موقع المنافسة. فالجهة التي تمتلك العلاقة اليومية مع المستخدم قد تؤثر في اختياره للخدمة المالية وتوقيت استخدامها. وللمستهلك، تحمل هذه السهولة سؤالًا مقابلًا: هل يفهم تكلفة التمويل والتزاماته بالوضوح نفسه الذي يفهم به عملية الشراء؟

كذلك يتناول الكتاب الأصول الرقمية والترميز، أي تمثيل أصول حقيقية في صورة رموز رقمية، إلى جانب دور الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الخدمات المالية. ويجمع مساره بين الإقراض الرقمي واقتصاد المنصات، وصولًا إلى الفرص والتحديات وإعادة التفكير في الاستقرار المالي.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين تحسين التقنية وتحسين الاستثمار. فتقسيم أصل إلى وحدات أصغر قد يخفض حاجز الدخول إليه، لكنه لا يجعل الأصل جيدًا تلقائيًا. وتظل أسئلة الملكية والتقييم والسيولة والمسؤولية ضرورية، مهما تطورت طريقة تسجيل المعاملة.

وبالمثل، يدفع الحديث عن الذكاء الاصطناعي إلى سؤال يتجاوز سرعة القرار: كيف يستطيع العميل فهم سبب رفض قرضه، أو الاعتراض على تقييم خوارزمية؟ هذه أسئلة نقدية يثيرها التحول المعروض، وليست أحكامًا منقولة عن المؤلفين.

قيمة الكتاب، كما تظهر من أطروحته ومحاوره المعلنة، أنه يوسع زاوية النظر إلى التكنولوجيا المالية. فالمنافسة لا تتعلق فقط بمن يقدم قرضًا أسرع، بل بمن يمتلك البيانات، ويصمم تجربة المستخدم، ويحدد طرق الوصول إلى المال. ومن هذه الزاوية، يصبح مستقبل التمويل نقاشًا حول توزيع السلطة والمسؤولية، بقدر ما هو نقاش حول الابتكار