قصص خبرية

ما وراء إمبراطورية هواوي: النشأة والحصار والعودة

ما وراء إمبراطورية هواوي: النشأة والحصار والعودة

💡 خلاصة التحليل:

قصة هواوي من تأسيسها في شنتشن عام 1987 برأسمال يقارب خمسة آلاف دولار، إلى تحولها لأكبر مصنّع لمعدات الاتصالات في العالم. وكيف واجهت العقوبات الأمريكية منذ 2019، وعادت في 2023 بهاتف بمعالج صيني الصنع أعاد الجدل حول جدوى الحصار التقني.

لم تكن هواوي عند تأسيسها أكثر من شركة صغيرة برأسمال يقارب خمسة آلاف دولار، لكنها تحولت بعد ثلاثة عقود إلى واحدة من أكثر الشركات التي أثارت قلق الولايات المتحدة، حتى قررت واشنطن محاصرتها وقطع إمداداتها التقنية. وبينما توقع كثيرون أن تكون العقوبات نهاية الشركة، جاء عام 2023 ليحمل عودة لافتة أعادت طرح السؤال عن حدود قدرة الحصار على إيقاف شركة تملك خطة بديلة.

بدأت الحكاية عام 1987 في مدينة شنتشن جنوب الصين، حين قرر رن تشنغفي، المهندس السابق في الجيش الصيني، أن يبدأ من جديد وهو في الثانية والأربعين من عمره، بعد أن خسر وظيفته في شركة حكومية إثر صفقة تعرض فيها للاحتيال. كان يعيش حينها في شقة صغيرة وظروفه المادية صعبة، لكنه كان يحمل فكرة واضحة: أن تتواصل الصين مع العالم بمنتجات من صنعها، في وقت ارتبط فيه اسم الصناعة الصينية بالتقليد وضعف الجودة. جمع نحو 21 ألف يوان، أي ما يقارب خمسة آلاف دولار آنذاك، مع عدد من الشركاء، وأسس شركة أطلق عليها اسم هواوي، وهو اسم يُترجم عادة بمعنى إنجاز الصين.

لم تبدأ الشركة بالهواتف المحمولة، بل بتجارة أجهزة السنترالات، وهي المعدات الضخمة التي تستخدمها شركات الاتصالات لتوصيل آلاف المكالمات ببعضها. كانت الشركات الغربية تبيع هذه الأجهزة للصين بأسعار مرتفعة، فبدأت هواوي بإعادة بيعها، ثم درستها بالتفصيل وطورت نسخها الخاصة المصنوعة محليا بتكلفة أقل بكثير، لتتحول من وسيط تجاري إلى مُصنّع.

ومع مطلع الألفية الجديدة اتخذت هواوي قرارا استراتيجيا، إذ ابتعدت عن الأسواق التي تهيمن عليها الشركات الغربية، واتجهت إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث حملت شبكات الإنترنت والهاتف المحمول إلى مناطق نائية وصحراوية بأسعار أقل وخدمة منافسة. وأثمرت هذه الاستراتيجية عام 2012، حين تجاوزت هواوي شركة إريكسون لتصبح أكبر مصنّع لمعدات الاتصالات في العالم، متقدمة على أسماء مثل نوكيا ومنافسة لسيسكو، لتصبح الصين لاعبا رئيسيا في البنية التحتية التي تربط العالم بالإنترنت.

عند هذه النقطة بدأت المواجهة الحقيقية. فالولايات المتحدة، التي تقدم نفسها نموذجا للانفتاح وحرية السوق، رأت في صعود هواوي تهديدا استراتيجيا، وبررت موقفها باعتبارات الأمن القومي واحتمال ارتباط الشركة بالحكومة الصينية، وهو ما تنفيه هواوي، بينما رأت بكين في ذلك محاولة لكبح تقدمها التقني. وفي ديسمبر 2018 أُلقي القبض في كندا على منغ وانتشو، المديرة المالية للشركة وابنة مؤسسها، بناء على طلب أمريكي. وفي مايو 2019 أدرجت واشنطن هواوي على قائمة الكيانات المحظورة، وهي خطوة وُصفت بالإعدام التقني، إذ حُرمت الشركة من خدمات جوجل على هواتفها، ومن التعامل الحر مع موردين أمريكيين مثل إنتل وكوالكوم، ثم امتدت القيود عام 2020 لتمنع المصانع العالمية التي تستخدم تقنيات أمريكية من تصنيع رقائقها. وبدت هواوي كأنها جزيرة معزولة، وتوقع كثيرون أن تنهار خلال أشهر.

وسارع المنافسون، وفي مقدمتهم آبل وسامسونج، إلى الاستفادة من الفراغ، فاستحوذوا على حصص من السوق العالمية التي خسرتها هواوي، واعتبر كل منهم اللحظة فرصة لا تتكرر. غير أن الشركة الصينية كانت قد بدأت الاستعداد لهذا اليوم قبل وقوعه بسنوات.

أطلقت هواوي نظام التشغيل الخاص بها «هارموني أو إس» بديلا لأندرويد، واعتمدت على معالجات «كيرين» التي تصممها وحدتها التابعة «هاي سيليكون»، وعملت مع شركاء محليين على تصنيع الرقائق داخل الصين. وفي الوقت نفسه وسّعت نشاطها إلى قطاعات جديدة بالكامل، مثل الحوسبة السحابية وحلول السيارات الذكية والطاقة الرقمية.

وفي أغسطس 2023 جاءت المفاجأة، حين طرحت هواوي هاتف «ميت 60 برو» بمعالج من فئة 7 نانومتر صنعته شركة SMIC الصينية، رغم القيود المفروضة على الشركة. وأثار تفكيك الهاتف وتحليل مكوناته دهشة الخبراء في الغرب، وفتح نقاشا واسعا في واشنطن حول مدى فاعلية العقوبات. وفي العام نفسه ارتفعت إيرادات الشركة إلى نحو 704 مليارات يوان، وتضاعف صافي أرباحها أكثر من مرتين.

واليوم يعمل في هواوي أكثر من 210 آلاف موظف، وتقول الشركة إن منتجاتها وخدماتها تصل إلى أكثر من ثلاثة مليارات إنسان، وقد بلغت إيراداتها عام 2025 نحو 880.9 مليار يوان، أي ما يقارب 126 مليار دولار. من رأسمال لا يتجاوز خمسة آلاف دولار إلى إيرادات تتخطى المئة مليار، ومن شقة صغيرة إلى إمبراطورية عالمية.

تقدم قصة هواوي مثالا على أن امتلاك رؤية وخطة بديلة قد يمكّن شركة من الصمود أمام حصار بهذا الحجم. لكن السؤال يظل مفتوحا: هل تستطيع الصين أن تسيطر على تكنولوجيا المستقبل، وهل ستترك الولايات المتحدة الطريق مفتوحا أمامها؟