قصص خبرية

شهادات الادخار أم الاستثمار: كيف يؤثر التضخم على قيمة المدخرات

شهادات الادخار أم الاستثمار: كيف يؤثر التضخم على قيمة المدخرات

💡 خلاصة التحليل:

أثر التضخم على المدخرات، من خلال قصة مغترب وضع مدخرات عشر سنوات في شهادة بعائد 18% بينما ارتفعت الأسعار نحو 30%. وكيف يختلف العائد الثابت عن الأصول القابلة للنمو، ولماذا لا يظهر الفرق الحقيقي بين الخيارين إلا على المدى الطويل.

قضى أحد المغتربين عشر سنوات من العمل الشاق خارج بلده، ونجح في ادخار ما يعادل مليونا بعملته المحلية. وحين فكّر في مصير هذا المبلغ، اختار الطريق الذي بدا له الأكثر أمانا، فقال لنفسه إنه تعب في جمع هذه الأموال ولن يغامر بها، ووضعها في شهادة ادخار بعائد سنوي 18%. لم يكن يدرك أن هذا القرار، الذي بدا له حماية لمدخراته، كان في الواقع طريقا لخسارة جزء من قيمتها.

ففي العام نفسه الذي اشترى فيه الشهادة، ارتفعت الأسعار بنحو 30%. ومعنى ذلك عمليا أن الشقة التي كان ثمنها مليونا أصبحت تُباع بمليون وثلاثمئة ألف. وحتى بعد أن نمت مدخرات صاحبنا إلى مليون ومئة وثمانين ألفا بفضل الفائدة، فإنها أصبحت تشتري أقل مما كانت تشتريه قبل عام. فالرقم في حسابه زاد، لكن قدرته الشرائية تراجعت بنحو 9%، وهذا ما يسميه الاقتصاديون العائد الحقيقي، أي العائد بعد خصم التضخم

ويطرح ذلك سؤالا عن البديل: ماذا لو كان قد استثمر هذا المبلغ في شركات قوية أو في مؤشر يمثل سوقا واسعة؟ تكشف البيانات التاريخية أن بعض الشركات حققت في سنوات بعينها أرقاما استثنائية، فقد ارتفع سهم إنفيديا بأكثر من 200% خلال عام 2023، وارتفع سهم ميتا بلاتفورمز بنحو 190% في العام نفسه. وبعيدا عن هذه الأرقام الاستثنائية، حقق مؤشر إس آند بي 500، الذي يضم أكبر خمسمئة شركة أمريكية، عوائد تجاوزت 20% في سنوات عديدة. وبالنسبة لمن يقيس ثروته بعملة محلية تتراجع أمام الدولار، كان فرق العملة سيضاعف هذه المكاسب. غير أن هذه الأسواق نفسها شهدت سنوات تراجع حادة، ففي عام 2022 مثلا خسر المؤشر نحو 19% من قيمته، وتراجع سهما إنفيديا وميتا بنسب تجاوزت 50%، وهو ما يعني أن الاستثمار في الأسهم يحمل مخاطر تقلب لا تحملها الشهادة.

فهل شهادات الادخار خيار سيئ؟ ليس بالضرورة، فهي تؤدي وظيفة محددة. فهي مناسبة لمن لا يملك دخلا شهريا ويحتاج إلى عائد ثابت يغطي التزاماته، وتعمل أشبه بمسكّن في أوقات الأزمات. أما من يملك عملا ودخلا مستقرا، فأمامه حسابات مختلفة. فالشهادة تمنح صاحبها رقما ثابتا، بينما يمنح الاستثمار أصلا قابلا للنمو، مع ما يصاحبه من مخاطر. والفرق بين الخيارين لا يظهر في عام واحد، بل يتضح بعد خمس أو عشر سنوات، حين تتباين النتائج بين من امتلك أصولا نمت قيمتها، ومن اكتفى بعائد ثابت قد لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.

وتبقى الخلاصة أن المغترب يعمل لسنوات كي يحوّل وقته وجهده إلى مال، وأن أحد أخطر ما قد يواجهه هو أن يضع هذا المال في مكان ثابت داخل اقتصاد تتسارع فيه الأسعار. ولذلك يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مدخر على نفسه: هل تنمو أموالي فعلا، أم أن الرقم وحده هو الذي يكبر؟