قصص خبرية

غضب للبيع كيف تتحول صافرة الحكم إلى أرباح

غضب للبيع كيف تتحول صافرة الحكم إلى أرباح

💡 خلاصة التحليل:

تحوّل الجدل التحكيمي في كرة القدم إلى محتوى قادر على جذب انتباه الجمهور بعد انتهاء المباريات، ما يتيح للقنوات والمنصات وصناع المحتوى فرصًا تجارية، بينما يظل التحدي في التمييز بين النقد الرياضي المشروع واستثمار الغضب لزيادة التفاعل والإيرادات الإعلانية.

في اقتصاد كرة القدم، لا تنتهي قيمة المباراة عند صافرة النهاية؛ إذ قد تبدأ بعدها دورة أخرى من استثمار الانتباه، يكون وقودها الجدل وغضب المشجعين.

تستغرق واقعة احتساب ركلة جزاء ثواني، لكن عمرها خارج الملعب قد يمتد أياما. تعاد اللقطة من زوايا مختلفة، وتنتقل بين البرامج والمنصات، ثم تتحول إلى عناوين ومقاطع قصيرة وسجالات بين جماهير الفريقين. وبينما يبحث المشجع عن إجابة لسؤال «هل كان القرار صحيحا؟»، تتحرك خلف الشاشة معادلة أخرى: كيف يمكن إبقاؤه متابعا لأطول وقت ممكن؟

لا يحتاج تفسير هذه المعادلة إلى افتراض وجود مؤامرة لترتيب النتائج. فالواقعة الحقيقية، بما تحمله من التباس وشحنة عاطفية، قد تكون وحدها مادة قابلة للاستثمار. وما يبدأ اعتراضا على حكم، يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي للقنوات والمنصات وصناع المحتوى.

لفهم ذلك، ينبغي النظر إلى المشجع بوصفه طرفا في أكثر من سوق. فهو يدفع ثمن التذكرة أو الاشتراك، ويشتري قميص فريقه، لكنه يمنح أيضا شيئا تتنافس عليه المؤسسات الإعلامية: انتباهه. وحين يصل الإعلان إلى هذا الانتباه، تصبح العلاقة أوسع من مباراة وجمهور.

وتكشف أرقام كرة القدم عن حجم الاقتصاد المحيط بالملعب. فبحسب تقرير «ديلويت» لعام 2026، بلغت إيرادات الأندية العشرين الأعلى دخلا 12.4 مليار يورو خلال موسم 2024-2025. وجاء نحو 19 في المائة منها من إيرادات يوم المباراة، مقابل 38 في المائة للبث و43 في المائة للإيرادات التجارية. وارتفعت حصة البث إلى 49 في المائة لدى الأندية التي احتلت المراكز من الحادي عشر إلى العشرين في القائمة. وهي أرقام تخص هذه المجموعة، وليست متوسطا لجميع أندية العالم. [1]

ولا تعني هذه الأرقام أن الغضب يصنع إيرادات كرة القدم؛ فالحقوق التلفزيونية تشتري منافسة رياضية لها جمهور واسع، والاشتراكات والرعاية مصادر أساسية للدخل. لكنها توضح لماذا تصبح العلاقة المستمرة مع الجمهور مهمة، حتى عندما لا تكون هناك مباراة على الشاشة.

فالتسعون دقيقة الأساسية لمباراة واحدة تعادل أقل من واحد في المائة من ساعات الأسبوع. وهذه مقارنة زمنية، لا مقياس لاستهلاك الجمهور الذي قد يتابع مباريات متعددة. لكنها تضيء المساحة التي يملؤها الحديث عن اللعبة: توقعات قبل اللقاء، وتحليلات بعده، وأخبار انتقالات، وخلافات لا تنتهي بالضرورة حين تظهر الإعادة.

هنا يستطيع قرار تحكيمي واحد أن يعيش مرات عديدة. تنتهي الواقعة في الملعب، ثم يعاد تقديمها باعتبارها مظلمة أو فضيحة أو دليلا على استهداف فريق. ويصبح التعليق الغاضب مادة لتعليق مضاد، ثم تتحول الردود نفسها إلى محتوى جديد.

وتظهر المفارقة بوضوح في تقنية حكم الفيديو المساعد «VAR». ففي تقييمه لدور المجموعات بمونديال روسيا 2018، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم ارتفاع دقة القرارات المؤثرة في المباراة من 95 في المائة دون تدخل التقنية إلى 99.3 في المائة معها. وهذه نتيجة لذلك التقييم المحدد، وليست ضمانا لدقة مماثلة في كل بطولة. [2]

غير أن تحسين دقة القرار لا يحسم بالضرورة الخلاف حوله. فقد ينتقل النقاش من وجود مخالفة إلى تفسيرها، ومن وقوع تسلل إلى لحظة تمرير الكرة أو موضع الخط. وهكذا يمكن للتقنية أن تقلص خطأ تحكيميا، بينما تظل الواقعة قابلة للتداول والاعتراض.

والتمييز هنا ضروري بين السعي إلى عدالة المنافسة، وطريقة تسويق الجدل حولها. فالشرح الهادئ يبحث عن القاعدة وتطبيقها، أما المحتوى الاستفزازي فيستطيع تحويل السؤال إلى مواجهة: من ظلم فريقك؟ ومن يدافع عن خصمك؟ وكل مواجهة جديدة تمنح المتابع سببا للعودة.

ولهذه الآلية نظير بحثي خارج الرياضة. فقد درس الباحثان في جامعة تافتس، جيفري بيري وسارة سوبياراج، الإعلام السياسي الأميركي في كتابهما «صناعة الغضب»، الصادر عن «أكسفورد». وتناولا نمو نموذج إعلامي يستخدم الخطاب الاستفزازي لاستقطاب الجمهور وجذب الإيرادات الإعلانية. والربط بكرة القدم هنا قراءة تحليلية، وليس نتيجة توصل إليها الكتاب عن الإعلام الرياضي. [3]

ولا يعني ذلك أن كل نقد تحكيمي تجارة بالغضب، أو أن كل تفاعل يحقق دخلا مباشرا. فالمساءلة جزء من الصحافة الرياضية، والانفعال جزء من تجربة التشجيع. لكن الفارق يظهر حين يصبح إبقاء الجمهور غاضبا أهم من مساعدته على الفهم.

عندها لا يعود السؤال فقط: هل أخطأ الحكم؟ بل أيضا: لماذا تعاد هذه اللقطة أمامي، وبأي لغة، ولمصلحة من؟

قد يكون غضب المشجع صادقا تماما. لكن صدق الشعور لا يمنع الآخرين من تسويقه. تنتهي المباراة، وتثبت النتيجة، بينما يبقى الغضب على الشاشة... قابلا للبيع.