💡 خلاصة التحليل:
تتناول هذه المقالة مسيرة شركة مايكروسوفت منذ تأسيسها عام 1975 مرورًا بنظام التشغيل الأول وقضية الاحتكار وسنوات التراجع في عهد ستيف بالمر. وتعرض كيف أعاد ساتيا ناديلا توجيه الشركة نحو الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي حتى بلغت إيراداتها 281.7 مليار دولار في السنة المالية 2025.
في الرابع من أبريل 1975 أسّس بيل غيتس وبول ألن شركة مايكروسوفت. كان غيتس في التاسعة عشرة من عمره وألن في الثانية والعشرين. ترك الأول دراسته في جامعة هارفارد وترك الثاني وظيفته، سعيًا وراء تصور يقوم على أن يصبح لكل مكتب في العالم حاسوب، في وقت كانت فيه الحواسيب حكرًا على الحكومات والشركات الكبرى القادرة على شرائها.
كان حاسوب «ألتير 8800» من أوائل الحواسيب الشخصية، لكنه صدر بلا برنامج يشغّله، فبدا أشبه بسيارة بلا مفتاح. كتب الشريكان البرنامج الذي يتيح تشغيله، وبحلول نهاية 1978 تجاوزت مبيعات الشركة مليون دولار.
جاءت النقلة الكبرى عام 1981 حين أطلقت «آي بي إم» أول حاسوب شخصي لها وطلبت من مايكروسوفت توفير نظام التشغيل. اشترت مايكروسوفت نظامًا صغيرًا مقابل نحو 75 ألف دولار، وطوّرته وسمّته «إم إس دوس»، ورخّصته لـ«آي بي إم». غير أن الحنكة الحقيقية تمثلت في احتفاظ مايكروسوفت بحق ترخيص النظام لأي شركة أخرى، فكلما انتشر الحاسوب الشخصي في العالم رافقه النظام وحصلت الشركة على نصيبها. في عام 1986 طُرحت أسهم مايكروسوفت للاكتتاب العام، وفي العام التالي أصبح غيتس، وهو في الحادية والثلاثين، أصغر ملياردير في العالم آنذاك.
ثم جاءت مرحلة «ويندوز». صدرت أول نسخة منه عام 1985 بطيئة وبدائية ولم تحظ باهتمام واسع، لكن «ويندوز 95» غيّر المشهد بسهولة استخدامه، فلم يعد الحاسوب حكرًا على المتخصصين وتحول الحلم القديم إلى واقع، وصارت مايكروسوفت إمبراطورية.
غير أن الإمبراطوريات تواجه أزماتها. كانت الأولى في أواخر التسعينيات حين هيمنت الشركة على السوق وبدأت تدمج متصفحها «إنترنت إكسبلورر» داخل «ويندوز»، فرفعت وزارة العدل الأمريكية دعوى ضدها بتهمة الاحتكار. وفي يونيو 2000 أمر القاضي بتقسيم مايكروسوفت إلى شركتين منفصلتين، ثم أُلغي أمر التقسيم في الاستئناف عام 2001. لكن الضرر كان قد وقع، إذ مرّت الشركة بسنوات من التردد صار فيها كل قرار جديد يُدرس طويلًا خشية الحكومة.
أما الأزمة الثانية فكانت ما يُعرف بالعقد الضائع. ففي عام 2000 سلّم غيتس إدارة الشركة إلى ستيف بالمر، وهو مدير كفء لكنه كان ينظر إلى المستقبل من نافذة «ويندوز» وحدها، في وقت كان العالم يتغير بسرعة. وحين أطلقت «أبل» هاتف «آيفون» عام 2007 سخر بالمر من سعره البالغ 500 دولار مع اشتراك الاتصال ومن غياب لوحة المفاتيح، وقال إنه لا فرصة لأن يحصل على حصة سوقية معتبرة. وأقرّ لاحقًا بأنه أخطأ التقدير. سيطرت «غوغل» على الإنترنت، وأخفقت هواتف مايكروسوفت. واشترت الشركة وحدة الأجهزة والخدمات في «نوكيا» بنحو 7.2 مليار دولار، ثم سجلت في يوليو 2015 انخفاضًا في قيمة أصولها المرتبطة بالصفقة بنحو 7.6 مليار دولار، إضافة إلى تكاليف إعادة هيكلة بين 750 و850 مليون دولار، أي نحو 8.4 مليار دولار بالمجمل، وهي أكبر خسارة محاسبية في تاريخها حتى ذلك الحين. وظل سهم الشركة حبيس نطاق ضيق نحو عقد كامل، وبدأ يتردد القول إن مايكروسوفت صارت «آي بي إم» جديدة: شركة كبيرة فقدت حيويتها.
في عام 2014 انتقلت الإدارة إلى ساتيا ناديلا، المهندس الهندي المولد، الذي لم يعلن عند توليه نيته قلب الدنيا لكنه أحدث تحولًا فعليًا. ومن أولى خطواته العلنية إتاحة تطبيقات «أوفيس» مثل «وورد» و«إكسل» على أجهزة «آيباد» من «أبل»، ثم على «أندرويد»، وهو ما كان يُعد خطًا أحمر داخل الشركة في السابق. وانطلق ناديلا من رؤية مفادها أن مهمة الشركة ليست بيع «ويندوز» بل تمكين كل شخص وكل مؤسسة على وجه الأرض من تحقيق المزيد. وراهن على الحوسبة السحابية، أي أن تستأجر الشركات مساحة وقدرة حوسبة عبر الإنترنت بدل شراء خوادم باهظة، وهي الخدمة التي تقدمها مايكروسوفت تحت اسم «أزور».
ثم جاء قرار لم يتوقعه كثيرون. ففي عام 2019 استثمرت مايكروسوفت مليار دولار في شركة ناشئة تُدعى «أوبن إيه آي». وتبلغ قيمة هذه الشركة اليوم، بحسب آخر جولة تمويل في مارس 2026، نحو 852 مليار دولار، وتمتلك مايكروسوفت فيها حصة تقارب 27 بالمئة. وفي السنة المالية 2025 بلغت إيرادات «مايكروسوفت كلاود» 168.9 مليار دولار، وبلغ إجمالي إيرادات الشركة 281.7 مليار دولار.
وهكذا أصبحت الشركة التي قيل إنها فقدت مكانتها قبل سنوات من بين أعلى شركات العالم قيمة. وتبدو قصتها درسًا في أن المؤسسات الكبرى التي تتعلم من إخفاقاتها ولا تتمسك بما فات لا تكتفي بالبقاء بل تنمو. والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت مايكروسوفت ستحافظ على موقعها، أم أن الذكاء الاصطناعي سيفرز منافسًا جديدًا يزاحمها.