💡 خلاصة التحليل:
رغم التوترات الجيوسياسية في الخليج ومضيق هرمز، لم تقفز أسعار النفط إلى 200 دولار بفضل تنوع مصادر الإمدادات، ومرونة الإنتاج الأميركي، وتباطؤ نمو الطلب، والقدرة الإنتاجية الفائضة لدى أوبك+، إلى جانب أدوات التحوط التي تحد من الشراء بدافع الذعر.
شهدت الساحة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية سلسلة من الهزات والاضطرابات التي كانت، وفقاً للكلاسيكيات الاقتصادية، كفيلة بدفع أسعار النفط إلى مستويات فلكية تتجاوز حاجز 200 دولار للبرميل. فمن استهداف ناقلات النفط إلى التوترات المزمنة المحيطة بمضيق هرمز والخليج العربي، الشريان الرئيس لإمدادات الطاقة العالمية، كانت كل المؤشرات توحي بإمكانية حدوث قفزة سعرية حادة.
ومع ذلك، ظلت الأسعار تتحرك ضمن نطاقات ومستويات متوازنة نسبياً، ولم تقترب من تلك العتبة التاريخية. فما السر وراء هذه المرونة التي أظهرتها أسواق النفط؟ وكيف تغلبت قوى السوق والتحولات الهيكلية على تأثير التوترات الجيوسياسية؟
أولاً: إعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية
يكمن العامل الأهم في تغير هيكلية العرض العالمي. فبعد أن كان أي تهديد في منطقة الخليج يعني اضطراباً حاداً في الإمدادات، تغير المشهد بصورة كبيرة. فقد تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط الخام في العالم بإنتاج يتجاوز 13 مليون برميل يومياً، ويتميز النفط الصخري الأمريكي بسرعة الاستجابة لارتفاع الأسعار، ما جعله بمثابة صمام أمان يحد من أي نقص حاد في المعروض العالمي . كما شهدت دول مثل البرازيل وكندا نمواً ملحوظاً في إنتاجها النفطي، الأمر الذي عزز تنوع مصادر الإمدادات وقلل من الاعتماد المباشر على نفط الشرق الأوسط.
ثانياً: تباطؤ نمو الطلب العالمي
النفط لا يتحرك بالعوامل الجيوسياسية وحدها، بل تحكمه أيضاً معادلة العرض والطلب . فالصين، التي كانت المحرك الرئيس لنمو الطلب العالمي على النفط لعقود، تمر بمرحلة تحول اقتصادي وتباطؤ في النمو، ما انعكس على وتيرة استهلاك الطاقة . وفي الوقت نفسه، بدأت السيارات الكهربائية والتطورات المتسارعة في كفاءة استخدام الطاقة تقلص تدريجياً من نمو الطلب على الوقود الأحفوري، حتى وإن كان التحول الكامل يحتاج إلى سنوات طويلة .
ثالثاً: تراجع أثر علاوة المخاطر الجيوسياسية
أصبحت الأسواق أكثر قدرة على استيعاب الأخبار الجيوسياسية مقارنة بالماضي . فطالما لم يحدث انقطاع فعلي ومستدام للإمدادات، فإن ارتفاع الأسعار يكون غالباً مؤقتاً، حيث تضاف علاوة مخاطر تتراوح بين 5 و10 دولارات للبرميل، ثم تتراجع تدريجياً مع استمرار تدفق النفط عبر الأسواق العالمية . كما تدرك الأسواق أن القوى الاقتصادية الكبرى تمتلك مصالح استراتيجية تمنع الوصول إلى إغلاق كامل ومستمر لمضيق هرمز .
رابعاً: القدرة الإنتاجية الفائضة لدى أوبك
تلعب أوبك+ دوراً محورياً في استقرار السوق من خلال إدارة مستويات الإنتاج . كما أن وجود قدرة إنتاجية فائضة لدى عدد من الدول المنتجة، خاصة في منطقة الخليج، يمنح الأسواق قدراً من الثقة بأن أي نقص مؤقت في الإمدادات يمكن تعويضه، وإن كان ذلك يعتمد على حجم الانقطاع ومدته .
خامساً: الأدوات المالية وسياسات التحوط
أسهمت أسواق العقود الآجلة وأدوات التحوط في الحد من عمليات الشراء بدافع الذعر، كما أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة عالمياً رفع تكلفة تخزين النفط للمضاربة، الأمر الذي عزز استقرار الأسواق وحدّ من التقلبات الحادة .
الرؤية الاستراتيجية
إن عدم تجاوز أسعار النفط حاجز 200 دولار، رغم التوترات في الخليج العربي ومضيق هرمز، يؤكد أن العوامل الهيكلية للسوق أصبحت أكثر تأثيراً من الصدمات الجيوسياسية قصيرة الأجل .
فقد نجح الاقتصاد العالمي في بناء شبكة أمان تعتمد على تنوع مصادر الإنتاج، ومرونة النفط الصخري الأمريكي، والقدرات الإنتاجية الفائضة لدى أوبك+، إلى جانب تباطؤ نمو الطلب العالمي .
ويبقى سيناريو وصول النفط إلى 200 دولار احتمالاً ضعيفاً في الظروف الحالية، ولا يصبح أكثر ترجيحاً إلا إذا شهد العالم انقطاعاً واسعاً ومستداماً للإمدادات يتجاوز القدرة الإنتاجية الفائضة ويفوق قدرة الأسواق على التعويض .
بقلم: علي عبدالله البستكي مستشار اقتصادي ومتخصص في أسواق المال والطاقة الايميل: albastakiali@yahoo.com