💡 خلاصة التحليل:
الذهب يستعيد دورًا متزايدًا في النظام المالي العالمي، مع ارتفاع مشتريات البنوك المركزية وتوسع الصين في تخزينه وتسويته، لكن ذلك لا يعني قرب إزاحة الدولار.
أعاد صعود الذهب خلال السنوات الأخيرة فتح نقاش بدا لفترة طويلة محسومًا: هل يستعيد المعدن الأصفر دوره كركيزة أساسية في النظام النقدي العالمي، أم أن ارتفاع قيمته لا يتجاوز كونه نتيجة مؤقتة للأسعار والمخاوف الجيوسياسية؟
جاءت شرارة النقاش من رقم لافت. فبحسب ورقة بحثية نشرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بلغت قيمة احتياطيات الذهب الرسمية في العالم بنهاية 2025 نحو 5.1 تريليون دولار. وحتى بعد استبعاد حيازات الولايات المتحدة، وصلت القيمة إلى 4 تريليونات دولار، متجاوزة الحيازات الرسمية الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية البالغة 3.9 تريليون دولار.
لكن الفيدرالي حذر من تفسير هذه المقارنة باعتبارها إعلانًا عن سقوط السندات الأميركية أو تحول الذهب إلى أصل الاحتياطي الأول بلا منازع. ووفقًا للورقة، جاء التفوق بصورة أساسية نتيجة ارتفاع سعر الذهب، وليس بسبب قفزة مماثلة في الكميات التي اشترتها البنوك المركزية. كما أن أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية تتركز لدى الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وصندوق النقد الدولي، وهي حيازات يعود جانب كبير منها إلى حقبة ما قبل انهيار نظام «بريتون وودز».
والأهم أن الصورة تغيرت مجددًا بحلول يونيو 2026، عندما عادت الحيازات الرسمية الأجنبية من سندات الخزانة لتتجاوز قيمة احتياطيات الذهب العالمية بعد استبعاد الولايات المتحدة. وهذا يعني أن العنوان المثير عن «تفوق الذهب» صحيح في لحظة زمنية محددة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انقلاب النظام المالي.
مع ذلك، يصعب تجاهل التحركات القادمة من الصين. فقد رفع بنك الشعب الصيني احتياطياته في يوليو 2026 إلى 76.08 مليون أوقية، أي نحو 2,366 طنًا، بعد إضافة قرابة 20 طنًا خلال شهر واحد، لتتواصل المشتريات للشهر الحادي والعشرين على التوالي. ولا تبدو هذه التحركات منفصلة عن استراتيجية أوسع تستهدف تقليل الاعتماد على أصل واحد، وتعزيز قدرة بكين على مواجهة العقوبات والتقلبات المالية.
ولا تقتصر الخطة الصينية على تخزين السبائك. فقد بدأت هونغ كونغ في يوليو التشغيل التجريبي لنظام مركزي جديد لمقاصة وتسوية معاملات الذهب، ضمن مشروع يهدف إلى ربط التداول والتسليم المادي بصورة أكبر بالأسواق الصينية.
وتسعى المدينة كذلك إلى رفع طاقتها التخزينية إلى أكثر من ألفي طن خلال ثلاثة أعوام، بما يؤهلها للتحول من مركز إقليمي لتجارة المعدن إلى حلقة مؤثرة في تخزينه وتسويته، وربما في تشكيل أسعاره مستقبلًا.
وتعزز توجهات البنوك المركزية هذا التحول؛ إذ أظهر مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن 89 في المئة من مسؤولي الاحتياطيات يتوقعون زيادة الحيازات العالمية خلال عام، فيما تعتزم نسبة قياسية تبلغ 45 في المئة زيادة احتياطيات مؤسساتهم.
لا تعني هذه التطورات أن الذهب سيزيح الدولار قريبًا؛ فالعملة الأميركية ما زالت تتمتع بسيولة وعمق مؤسسي لا يوفرهما المعدن. لكن الرسالة الأهم أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ ترتفع أسعاره وقت الأزمات. لقد عاد أداة للسيادة المالية، بينما تحاول الصين ألا تكون مجرد مشترٍ كبير له، بل لاعبًا مؤثرًا في السوق التي تحدد أين يُخزن وكيف يُتداول وبأي عملة يُسعر.