تحليل سوق

الحرب في اليمن.. والخاسر قد يكون قناة السويس

الحرب في اليمن.. والخاسر قد يكون قناة السويس

💡 خلاصة التحليل:

تصاعد المخاطر حول باب المندب يهدد تعافي قناة السويس، إذ قد يدفع شركات الشحن مجددًا إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما يعني خسارة إيرادات لمصر وارتفاع تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.

بينما تتجه الأنظار إلى أسعار النفط والهجمات على السعودية مع اشتعال جبهة اليمن مجددًا، قد يكون أحد أكبر الخاسرين الاقتصاديين بعيدًا نسبيًا عن ميدان القتال: قناة السويس المصرية.

المشكلة تبدأ من حقيقة جغرافية بسيطة. السفينة القادمة من المحيط الهندي إلى أوروبا عبر قناة السويس تحتاج أولًا إلى المرور من باب المندب إلى البحر الأحمر. وبالتالي فإن أمن القناة لا يتوقف فقط على المجرى الملاحي المصري، وإنما على سلامة الطريق الممتد مئات الكيلومترات جنوبًا.

ولهذا فإن تصاعد المخاطر حول باب المندب يعيد إلى الأسواق سؤالًا اعتقد البعض أنه بدأ يتراجع: هل أصبح طريق رأس الرجاء الصالح أكثر أمانًا مرة أخرى، رغم أنه أطول وأكثر تكلفة؟

عودة كانت قد بدأت بالفعل

المفارقة أن التصعيد يأتي بينما كانت قناة السويس تستعيد تدريجيًا جزءًا من الحركة التي خسرتها خلال أزمة البحر الأحمر.

إيرادات القناة ارتفعت بنحو 23% خلال السنة المالية 2025/2026 لتصل إلى نحو 4.67 مليار دولار، مع ارتفاع عدد السفن العابرة بنحو 10% وحمولاتها 22%، وإن ظلت الحركة أقل من مستويات ما قبل الاضطرابات. (Ahram Online)

والأهم أن التعافي تسارع مؤخرًا. بيانات Lloyd’s List Intelligence في مطلع سبتمبر أشارت إلى وصول الحركة الأسبوعية في القناة إلى مستويات لم تُشاهد منذ بداية 2024، بالتزامن مع عودة تدريجية لسفن الحاويات والناقلات وسفن البضائع إلى البحر الأحمر. (Lloyd’s List Intelligence)

بل إن Maersk وHapag-Lloyd أعلنتا في 14 سبتمبر تحويل أربع خدمات إضافية من طريق رأس الرجاء الصالح إلى طريق قناة السويس، بعد خدمات أخرى عادت بالفعل. (Reuters)

وهنا تكمن حساسية اللحظة.

عندما يصبح الخطر أغلى من الوقود

شركات الشحن لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق باب المندب حتى تغير مساراتها. يكفي أن تتغير معادلة المخاطر.

ارتفاع أقساط التأمين، زيادة احتمالات تعرض السفن أو أطقمها للخطر، أو اتساع قائمة السفن المحتمل استهدافها، كلها عوامل يمكن أن تجعل الطريق الأقصر اقتصاديًا أقل جاذبية.

والبديل معروف: الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

لكن هذا البديل له ثمن. العودة إلى قناة السويس كانت توفر لبعض خدمات Maersk ما يصل إلى نحو 7 أيام غربًا و14 يومًا شرقًا مقارنة بالمسار الأفريقي، وفق تقديرات الشركة لإحدى خدماتها. (maersk.com)

الدوران حول أفريقيا يعني بالتالي استهلاك وقود أكبر، وتشغيل السفن لفترات أطول، وضغطًا على الطاقة الاستيعابية للأساطيل، وتأخر وصول البضائع وارتفاع تكلفة سلاسل الإمداد.

مصر أمام معادلة مزدوجة

بالنسبة لمصر، المسألة أكثر تعقيدًا.

كل سفينة تختار رأس الرجاء الصالح بدلًا من البحر الأحمر تمثل إيرادًا محتملًا تفقده قناة السويس، وبالتالي ضغطًا إضافيًا على أحد مصادر العملة الأجنبية المهمة للاقتصاد المصري.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي اضطراب التجارة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة إلى زيادة تكلفة بعض الواردات المصرية.

أي أن القاهرة يمكن أن تتلقى الضربة من جهتين: إيرادات أقل من السفن، وفاتورة أعلى لبعض السلع والطاقة والنقل.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تبرز قضية أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر خلال مباحثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 15 سبتمبر، حيث شدد الجانبان على أهمية حرية وأمن الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية. (Reuters)

السيناريو الأخطر

حتى الآن لا يعني التصعيد أن شركات الشحن بدأت هجرة جماعية جديدة من قناة السويس. على العكس، أحدث قرارات بعض الخطوط الكبرى لا تزال تشير إلى استمرار العودة التدريجية، مع ربطها صراحة باستقرار الوضع الأمني وعدم حدوث تصعيد جديد. (maersk.com)

وهذا تحديدًا هو المتغير الذي ينبغي مراقبته.

الخطر الحقيقي ليس مجرد الحرب في اليمن، وإنما اتساع تعريف السفينة المعرضة للخطر. فإذا بقي التهديد محصورًا في نطاق محدد، قد تستمر الشركات في المرور. أما إذا أصبحت المخاطر أوسع وغير قابلة للتنبؤ، فقد تتغير الحسابات سريعًا.

عندها لن تكون المشكلة مصرية فقط.

فباب المندب وقناة السويس يشكلان عمليًا طريقًا واحدًا يصل آسيا بأوروبا. وإذا تعطلت الحلقة الأولى، تفقد الثانية جزءًا كبيرًا من ميزتها.

لذلك، بينما يراقب العالم برميل النفط لمعرفة تكلفة الحرب الجديدة، هناك مؤشر آخر يستحق المتابعة:

عدد السفن التي ستظل مستعدة لدخول باب المندب.

لأن الإجابة ستحدد إلى حد بعيد عدد السفن التي ستصل في النهاية إلى قناة السويس.