تحليل سوق

النرويج ادخرت نفطها للأجيال القادمة فصنعت ثروة بتريليوني دولار تهددها اليوم السياسة والحروب

النرويج ادخرت نفطها للأجيال القادمة فصنعت ثروة بتريليوني دولار تهددها اليوم السياسة والحروب

💡 خلاصة التحليل:

صندوق الثروة السيادي النرويجي، الذي ادخرت فيه النرويج عائدات نفطها للأجيال القادمة، أصبح ثروة تتجاوز تريليوني دولار ويملك حصصا في آلاف الشركات حول العالم. لكن الضغوط الأمريكية على قراراته الأخلاقية، والحرب مع إيران، وسيناريوهات الخسارة التي رسمها بنفسه، تكشف أن هذه الثروة لم تعد في مأمن.

صندوق واحد نقل النرويج من دولة يقوم اقتصادها على صيد الأسماك إلى دولة تدير ثروة تتجاوز تريليوني دولار، وجعل لكل مواطن فيها نصيبا نظريا يقترب من المليون، دون أن يبذل في سبيله يوم عمل واحد. غير أن هذا الصندوق نفسه أصبح في السنوات الأخيرة مصدر توتر مع الولايات المتحدة. إنها قصة صندوق الثروة السيادي النرويجي.

في ستينيات القرن الماضي كانت النرويج دولة محدودة الثروة مقارنة بجيرانها، يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على صيد الأسماك. ثم جاء عام 1969 باكتشاف النفط في بحر الشمال، وبدأت الأموال تتدفق. لكن النرويجيين لم يسلكوا طريق كثير من الدول التي عثرت على النفط، فلم ينفقوا العائدات على الرفاهية والقصور، وانطلقوا من قناعة بسيطة: هذه الأموال ليست ملكا لجيلهم، بل لأبنائهم وأحفادهم.

في عام 1990 أنشأت النرويج صندوقا سياديا تذهب إليه إيرادات النفط، على ألا تُنفق داخل البلاد، بل تُستثمر في الخارج، في أسواق العالم كله.

جاء أول إيداع في الصندوق عام 1996، وبعد 21 عاما بلغت قيمته تريليون دولار، ثم تخطى حاجز التريليونين بعد قرابة ثلاثة عقود من بدايته. واليوم يملك الصندوق حصصا في نحو 7200 شركة موزعة على 60 دولة، من بينها أبل وإنفيديا ومايكروسوفت، ويستحوذ وحده على نحو 1.5% من جميع الأسهم المدرجة في العالم.

وبحسبة بسيطة، يتجاوز نصيب كل مواطن نرويجي في هذا الصندوق 340 ألف دولار، دون أن يعمل يوما واحدا من أجله. وفي عام 2025 وحده حقق الصندوق مكاسب بلغت 248 مليار دولار، وهو أعلى عائد سنوي في تاريخه مقوما بالدولار.

لكن الصندوق ليس مجرد أرقام، إذ يتميز عن غيره من الصناديق بوجود لجنة للأخلاقيات تحدد أين يُسمح له بالاستثمار. فإذا ثبت أن شركة ما تنتهك حقوق الإنسان أو تلحق الضرر بالبيئة، يخرج الصندوق منها.

وهذا ما حدث في عام 2025، حين قرر الصندوق بيع كامل حصته في شركة كاتربيلر الأمريكية وفي خمسة بنوك إسرائيلية، بعدما خلصت لجنة الأخلاقيات إلى أن منتجات هذه الشركات وخدماتها تُستخدم في انتهاكات داخل الأراضي الفلسطينية.

أثار القرار ضجة واسعة. فقد أبدت وزارة الخارجية الأمريكية قلقها البالغ منه، ولوّح سيناتور أمريكي بفرض رسوم جمركية على النرويج.

وجاء الرد النرويجي من البرلمان، الذي صوّت على تعليق توصيات لجنة الأخلاقيات لمدة عام. لم يكن ذلك إقرارا بخطأ القرار، بل جاء في سياق حماية الصندوق من تبعات رد الفعل الأمريكي. وقد أوضح وزير المالية النرويجي ينس ستولتنبرغ الأمر صراحة، حين أشار إلى أن أكبر سبع شركات في العالم تمثل 16% من محفظة أسهم الصندوق، وأن القواعد الأخلاقية الحالية قد تمنعه من الاستثمار فيها، وعندها يفقد الصندوق طبيعته كصندوق عالمي واسع الانتشار.

ومع حلول مارس 2026 ازدادت الصورة تعقيدا، فقد اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفعت أسعار النفط بحدة، وبات مضيق هرمز مهددا.

وفي هذا السياق أبدى الرئيس التنفيذي للصندوق نيكولاي تانغن استغرابه من صمود الأسواق رغم كل ما يجري، موضحا أن تحليلات السيناريوهات التي أجراها الصندوق كانت ترجح تأثرا أكبر مما حدث.

كما أصدر الصندوق تقريرا لافتا حدد فيه سيناريوهين قد يفقد في أي منهما أكثر من ثلث قيمته: الأول انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، بخسائر محتملة تبلغ 35%، والثاني تصاعد التوترات الجيوسياسية والرسوم الجمركية، بخسائر قد تصل إلى 37%.

وفي المفارقة ذاتها، تعود أسعار النفط المرتفعة بالنفع على النرويج كدولة منتجة، لكنها في الوقت نفسه تضر بالصندوق، لأن التضخم الذي تغذيه يأكل من أرباح الشركات التي يستثمر فيها.

وتحمل القصة، رغم كل شيء، درسا واضحا: دولة صغيرة عثرت على ثروة، فاختارت أن تدخرها بدلا من أن تنفقها، وأن تستثمرها في الخارج بدلا من الداخل، وأن تضع لها قواعد أخلاقية بدلا من تركها بلا ضوابط. غير أن هذه الإمبراطورية المالية نفسها ليست بمأمن؛ فالضغوط السياسية تؤثر في قراراتها، والحروب تهدد أرباحها، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما يحمله المستقبل.