تحليل سوق

وول ستريت تصعد والناس تقلق… من يرى الاقتصاد الأميركي بصورة أدق؟

وول ستريت تصعد والناس تقلق… من يرى الاقتصاد الأميركي بصورة أدق؟

💡 خلاصة التحليل:

تكشف بيانات سبتمبر فجوة بين صعود الأسهم الأميركية وتراجع ثقة المستهلك، لكن استمرار الوظائف والدخل والإنفاق قد يسمح للأسواق بمواصلة الصعود، بينما يصبح التشاؤم أكثر خطورة إذا تحول إلى ضعف فعلي في الاستهلاك والأرباح وظروف التمويل.

تبدو أميركا قوية على شاشة البورصة، لكنها تبدو أقل اطمئنانًا في إجابات مواطنيها. حتى إغلاق 29 سبتمبر، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 12.1% منذ بداية العام. وفي اليوم نفسه، أظهرت بيانات ثقة المستهلك أن الأميركيين أكثر تشاؤمًا مما كانوا عليه منذ 2014. فهل ترى الأسواق تحسنًا لم يصل إلى الناس، أم أن الناس يلتقطون ضعفًا تتجاهله أسعار الأسهم؟ (apnews.com)

بحسب «كونفرنس بورد»، تراجع مؤشر ثقة المستهلك إلى 81.9 نقطة في سبتمبر، من 88.6 نقطة في أغسطس. وانخفض مؤشر التوقعات، الذي يقيس النظرة المستقبلية للدخل والأعمال وسوق العمل، إلى 63.6 نقطة. هذه قراءة مقلقة، لكنها لا تثبت وحدها أن الإنفاق سينهار أو أن الركود أصبح حتميًا. (prnewswire.com, apnews.com)

البورصة والأسرة تجيبان عن سؤالين مختلفين

الأسرة تقيس الاقتصاد من خلال قدرتها على دفع الإيجار وشراء الطعام والعثور على وظيفة أفضل. أما المستثمر، فيحاول تقدير أرباح الشركات خلال السنوات المقبلة والسعر الذي يستحق دفعه مقابلها.

لذلك، يمكن أن يشعر المستهلك بضيق حقيقي بينما ترتفع الأسهم. فارتفاع تكاليف المعيشة يضغط على ميزانية الأسرة، لكنه قد يتزامن مع نمو الإيرادات الاسمية لبعض الشركات. كذلك، يضم المؤشر شركات تعمل عالميًا، وتختلف أوزانها داخله؛ ولهذا لا يمثل ارتفاعه تحسنًا متساويًا في أوضاع الشركات أو الأسر.

هذه قراءة تفسيرية للمفارقة: الطرفان قد يصفان واقعين صحيحين، لكنهما لا ينظران إلى الجزء نفسه من الاقتصاد.

الوظيفة موجودة… لكن البديل أصعب

تضيف بيانات سوق العمل تفصيلة مهمة. فقد انخفض عدد الوظائف الشاغرة عدديًا إلى نحو 7.1 مليون في أغسطس، مقابل نحو 7.3 مليون في يوليو. لكن مكتب إحصاءات العمل الأميركي وصف التغير بأنه محدود، فيما ظلت حالات التسريح وإنهاء الخدمة مستقرة تقريبًا عند 1.6 مليون، بمعدل 1%. (bls.gov)

يمكن تفسير هذه الصورة باعتبارها سوقًا تحتفظ فيها الشركات بالعاملين، لكنها تتحفظ على التوسع في التوظيف. من لديه وظيفة قد يستمر في الإنفاق، بينما يشعر الباحث عن عمل أو الراغب في الانتقال إلى فرصة أفضل بقلق أكبر.

وهنا يصبح انخفاض الثقة مفهومًا حتى من دون موجة تسريح واسعة. لكنه يتحول إلى تهديد أشد إذا بدأت الشركات تستغني عن العاملين، وتراجعت الدخول، ثم انعكس ذلك على المشتريات.

ماذا يقول التاريخ؟

لا تقدم التجارب السابقة نتيجة واحدة لانفصال مزاج المستهلك عن الأسواق. لكنها تقدم درسًا متكررًا: يجب تتبع ما يحدث للدخل والإنفاق والأرباح بعد تراجع المعنويات.

في 2011، تزامنت مخاوف الديون الأميركية والأزمة الأوروبية مع ضعف ثقة المستهلك وتقلبات الأسواق. ومع ذلك، أوضح الاحتياطي الفيدرالي لاحقًا أن نمو الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي تحسن قليلًا في النصف الثاني من العام، رغم بقاء المعنويات منخفضة تاريخيًا. كان القلق حقيقيًا، لكنه لم يتحول إلى توقف شامل للإنفاق. (federalreserve.gov)

وتقدم فترة 2022–2023 مثالًا آخر. في يونيو 2022، سجل مؤشر معنويات المستهلك بجامعة ميشيغان أدنى قراءة في تاريخ المسح، تحت ضغط التضخم. وهذا مؤشر مختلف عن مؤشر «كونفرنس بورد» المستخدم في بيانات سبتمبر الحالية، فلا تجوز مقارنة مستوياتهما مباشرة. (isr.umich.edu)

هبط «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 19.44% خلال 2022، ثم ارتفع 24.23% في 2023، دون احتساب توزيعات الأرباح. وبحسب تقديرات مكتب التحليل الاقتصادي المنشورة في مارس 2024، نما الاقتصاد الحقيقي 2.5% في 2023، وكان الإنفاق الاستهلاكي من محركات النمو، كما ارتفعت أرباح الشركات من الإنتاج الجاري بنحو 49.3 مليار دولار. (spglobal.com, bea.gov)

هذه أمثلة توضيحية وليست اختبارًا إحصائيًا لجميع حالات الانفصال. لكنها تكشف لماذا لا يصلح التشاؤم وحده لتوقيت البيع: قد يتزامن مع هبوط، ثم يستمر الاقتصاد في النمو وتتعافى الأسهم قبل أن يشعر الجميع بالتحسن.

المتشائم الذي يحجز إجازة

تزيد نتائج «كارنيفال» تعقيد الصورة. ففي إعلان نتائجها يوم 29 سبتمبر، قالت الشركة إن مستويات الإشغال المحجوز والأسعار لرحلات 2027 بلغت مستويات قياسية. أي إن هناك عملاء يلتزمون بإنفاق مستقبلي على السفر، بالتزامن مع تدهور المزاج الاقتصادي العام. (prnewswire.com)

لكن حجوزات شركة واحدة لا تمثل جميع الأميركيين، كما أن الإشغال المحجوز ليس إشغالًا تحقق بالفعل. إنها دليل على تماسك الطلب لدى شريحة من العملاء، وليست شهادة بأن ميزانيات جميع الأسر بخير.

الاستنتاج الممكن أن التشاؤم والإنفاق قد يتعايشان. والسؤال الأهم هو: هل يستند هذا الإنفاق إلى دخل مستدام، أم إلى استنزاف المدخرات والاقتراض؟

الخطر الثالث: من يمول سوق السندات؟

بين تفاؤل الأسهم وقلق المستهلك، يظهر مصدر آخر للمخاطر. نشرة نشرها بنك التسويات الدولية في 29 سبتمبر، أعدها ماتياس دريمان وسونيا تشو، تناقش أثر ارتفاع الدين الحكومي واتساع دور المؤسسات المالية غير المصرفية في سيولة أسواق السندات.

وتشير إلى أن ارتفاع الدين يزيد مخاطر تدهور السيولة، وأن الحضور الكبير للمؤسسات غير المصرفية قد يزيد احتمال اضطراب السوق، لكنه قد يجعل ظروف السيولة شديدة الملاءمة أكثر احتمالًا أيضًا. الدراسة تصف مخاطر سوقية عامة؛ ولا تتنبأ بأزمة أميركية وشيكة. (bis.org)

المسألة إذن تشمل حجم الدين وطريقة تمويل حيازته. فبعض المستثمرين يستخدمون الاقتراض لتمويل صفقات السندات، وبعض الصناديق قد تضطر للبيع لتلبية طلبات استرداد الأموال. وعند الضغط، قد تتحول هذه الاحتياجات إلى مبيعات متزامنة تُضعف قدرة السوق على استيعابها، وهي آليات يناقشها التقرير الاقتصادي السنوي للبنك. (bis.org)

وهكذا يمكن أن ينشأ اضطراب في تداول السندات حتى دون تعثر الحكومة في السداد. وإذا أدى الاضطراب إلى ارتفاع تكلفة التمويل، فقد يمتد أثره إلى قروض الأسر وتمويل الشركات وتقييمات الأسهم.

من نصدق؟

الأدق أن نختبر الروايتين بالبيانات التي تصل بينهما: الإنفاق الحقيقي بعد استبعاد التضخم، والدخول، والتسريح، وهوامش أرباح الشركات، وظروف التمويل.

طالما بقيت الوظائف والدخول والإنفاق متماسكة، يمكن أن يستمر صعود الأسهم رغم التشاؤم. أما إذا تحول القلق إلى فقدان للدخل وتقليص للمشتريات، أو تزامن مع اضطراب في التمويل، فإن تفاؤل السوق يصبح أصعب في الدفاع عنه.

السؤال الذي يستحق المتابعة الآن: متى يتحول ما يقوله المستهلك إلى تغيير فعلي فيما يشتريه، ومتى يصل هذا التغيير إلى أرباح الشركات؟