تحليل سوق

4 مشترين ظهروا لسندات أميركا.. لكن ماذا بعد؟

4 مشترين ظهروا لسندات أميركا.. لكن ماذا بعد؟

💡 خلاصة التحليل:

رغم ظهور مشترين من صناديق التقاعد والتحوط والمستثمرين الأفراد ووزارة الخزانة، تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5.34%، لتبقى المعركة الحقيقية بين حجم الدين الأميركي المعروض وقدرة السوق على استيعابه دون دفع العوائد إلى مستويات أعلى.

في واحد من أعنف التحركات التي شهدها سوق السندات الأميركية منذ سنوات، تجاوز عائد سند الخزانة لعشر سنوات مستوى 5% ووصل خلال التداولات إلى نحو 5.34%، في وقت ظلت فيه الأسهم الأميركية قريبة من مستوياتها التاريخية المرتفعة.

لكن وسط موجة البيع الكبيرة في السندات، حدث شيء لافت: المشترون بدأوا في الظهور.

صناديق تقاعد تعيد مليارات الدولارات إلى السندات. صناديق تحوط توسع وجودها في السوق. مستثمرون أفراد ينجذبون إلى عوائد لم يشاهدوها منذ سنوات. وحتى وزارة الخزانة الأميركية تنفذ برنامج إعادة شراء لبعض السندات لتحسين سيولة السوق.

للوهلة الأولى، يبدو هذا خبرًا جيدًا للسندات.

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: من يشتري الآن؟

بل: ماذا سيحدث بعد انتهاء موجة الشراء الحالية؟

المشتري الأول: صناديق التقاعد

السبب هنا حسابي أكثر منه استثماريًا.

عندما ترتفع الأسهم بينما تنهار أسعار السندات، يتغير توزيع المحفظة تلقائيًا. صندوق يستهدف مثلًا الاحتفاظ بنسبة معينة في الأسهم ونسبة أخرى في السندات يجد نفسه فجأة يمتلك أسهمًا أكثر من المطلوب وسندات أقل.

الحل هو إعادة التوازن: بيع جزء من الأسهم وشراء السندات.

ولهذا قدّرت غولدمان ساكس أن صناديق التقاعد الأميركية يمكن أن تبيع نحو 33 مليار دولار من الأسهم حول نهاية الربع لإعادة توجيه الأموال نحو السندات، في واحدة من أكبر عمليات إعادة التوازن الفصلية منذ عام 2000.

لكن هنا توجد المشكلة الأولى.

إعادة التوازن ليست مصدر طلب دائم.

الصندوق لا يشتري السندات كل أسبوع بهذه القوة. بمجرد عودة المحفظة تقريبًا إلى النسب المستهدفة، يختفي جزء مهم من هذا الطلب القسري.

وبالتالي فإن الأيام التالية لانتهاء الربع ستصبح اختبارًا أكثر أهمية من أيام إعادة التوازن نفسها.

المشتري الثاني: صناديق التحوط

هذه قصة مختلفة تمامًا.

بحسب Office of Financial Research، ارتفعت الحيازات النقدية لصناديق التحوط من سندات الخزانة الأميركية إلى نحو تريليوني دولار بنهاية 2025، أي ما يقارب 7% من إجمالي سندات الخزانة القابلة للتداول.

لكن من الخطأ تفسير الرقم باعتباره رهانًا بتريليوني دولار على ارتفاع أسعار السندات.

جزء مهم من النشاط مرتبط بما يسمى Basis Trade.

الفكرة المبسطة هي أن الصندوق يشتري السند نفسه، ويبيع العقود المستقبلية المرتبطة به، ويحاول تحقيق أرباح من فارق صغير بين السعرين.

ولأن الفارق صغير جدًا، تُستخدم رافعة مالية ضخمة لتحويله إلى عائد يستحق الصفقة.

وهنا المفارقة.

صناديق التحوط أصبحت مصدرًا مهمًا للطلب على السندات، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أحد أكبر مصادر الهشاشة في السوق.

إذا ارتفعت التقلبات فجأة، أو أصبحت تكلفة تمويل الـRepo مرتفعة، أو بدأت خسائر المراكز تتراكم، فقد تضطر بعض الصناديق إلى فك هذه الصفقات بسرعة.

أي أن المشتري الذي يساعد السوق اليوم قد يتحول في ظروف معينة إلى بائع غدًا.

المشتري الثالث: المستثمر الذي يرى 5%

لسنوات طويلة، كانت المشكلة بالنسبة للسندات بسيطة: لماذا أشتريها أصلًا؟

عندما كانت العوائد قرب الصفر أو 1% و2%، كان المستثمر يجد مبررًا أقوى لتحمل مخاطر الأسهم.

الوضع الآن مختلف.

عائد يتجاوز 5% على سندات الحكومة الأميركية يعيد النقاش بالكامل.

لأول مرة منذ فترة طويلة يستطيع المستثمر الحصول على عائد اسمي مرتفع نسبيًا من أصل يعتبر من أهم الأصول المرجعية عالميًا، ولذلك بدأت الصناديق المرتبطة بالسندات طويلة الأجل تجذب مستثمرين يراهنون على أن الجزء الأكبر من انهيار الأسعار قد حدث بالفعل.

لكن هؤلاء يواجهون معضلة مختلفة.

5% تبدو جذابة فقط إذا توقفت العوائد عن الصعود.

لأن من يشتري سندًا طويل الأجل عند عائد 5.1% يمكن أن يتكبد خسارة سعرية إضافية إذا تحرك العائد لاحقًا إلى 5.5% أو 6%.

لذلك فإن ارتفاع العائد يجذب المشترين، لكنه في الوقت نفسه يخيفهم.

المشتري الرابع: الخزانة نفسها

هناك لاعب آخر دخل الصورة: وزارة الخزانة الأميركية.

برنامج إعادة شراء السندات يسمح للخزانة بشراء بعض الإصدارات القديمة والأقل سيولة مقابل إصدار دين جديد، وقد رفعت الخزانة أحجام بعض عمليات إعادة الشراء الخاصة بالسندات الأطول أجلًا.

لكن يجب الانتباه إلى نقطة أساسية.

هذه ليست نسخة أميركية من التيسير الكمي.

الخزانة لا تطبع أموالًا لشراء ديونها، ولا يستهدف البرنامج دفع العوائد إلى مستوى معين. الهدف الأساسي هو تحسين السيولة وإدارة هيكل الدين.

أي أنه يستطيع تخفيف بعض الاختناقات داخل السوق، لكنه لا يحل المشكلة الأكبر.

وهنا نصل إلى «ماذا بعد؟»

لدينا إذن أربعة أنواع مختلفة من الطلب.

صناديق التقاعد تشتري لإعادة التوازن.

صناديق التحوط تشتري ضمن صفقات قيمة نسبية.

المستثمرون يشترون لأن العائد أصبح مغريًا.

والخزانة تعيد شراء بعض السندات لتحسين كفاءة السوق.

ومع ذلك استطاع عائد العشر سنوات تجاوز 5%.

وهذه ربما أهم إشارة في القصة كلها.

لأن سوق السندات ليس مجرد مشترين.

على الجانب الآخر تقف آلة ضخمة لإصدار الدين الأميركي.

الحكومة تحتاج إلى تمويل عجز مالي كبير، وفي الوقت نفسه عليها إعادة تمويل ديون قديمة تستحق تباعًا. وبالتالي يحتاج السوق بصورة مستمرة إلى العثور على مشترٍ مستعد لامتصاص المعروض الجديد بالسعر المناسب.

وهنا تبدأ المرحلة التالية من القصة.

السيناريو الأول: المشترون ينتصرون

إذا استمرت التدفقات نحو السندات، وبدأ التضخم في التراجع، وهدأت أسعار النفط، وازدادت قناعة السوق بأن دورة رفع الفائدة اقتربت من نهايتها، فقد يبدأ عائد العشر سنوات في الاستقرار أو الانخفاض.

وقتها يمكن أن تتحول الخسائر السابقة في السندات إلى فرصة جذابة للمستثمر الذي اشترى عند العوائد المرتفعة.

والأثر لن يتوقف عند السندات.

انخفاض العوائد يعني انخفاض معدل الخصم المستخدم في تقييم الأسهم، وتراجع تكلفة الاقتراض على الشركات والمستهلكين، وربما بعض الراحة لسوق الإسكان.

السيناريو الثاني: العرض ينتصر

المشكلة تبدأ إذا انتهت إعادة توازن صناديق التقاعد، بينما استمرت الخزانة في إصدار كميات كبيرة من الدين ولم يظهر طلب دائم يكفي لاستيعابها.

السوق عندها يمتلك طريقة بسيطة جدًا لجذب المشترين:

يخفض سعر السند ويرفع العائد.

5.3% لا تجذب ما يكفي؟

ربما 5.5%.

وإذا لم يكفِ ذلك، يحتاج السوق إلى عائد أعلى.

وهنا تتحول القضية من أزمة سندات إلى قضية تخص تقريبًا كل أصل مالي.

لأن عائد سند الخزانة الأميركية لعشر سنوات هو أحد أهم الأسعار المرجعية في النظام المالي العالمي.

كلما ارتفع، أصبح تمويل الشركات أغلى، والرهن العقاري أغلى، وتمويل الاستحواذات أصعب، كما ترتفع معدلات الخصم التي يستخدمها المستثمرون لتقييم الأرباح المستقبلية.

وهنا تصبح الأسهم المرتفعة التقييم تحديدًا أكثر حساسية.

السيناريو الثالث.. وهو الأخطر

ليس بالضرورة أن تكون المشكلة في وصول العائد إلى رقم معين.

المشكلة قد تكون سرعة الوصول إليه.

يمكن للنظام المالي التكيف تدريجيًا مع عائد 5% أو حتى أعلى.

لكن قفزة سريعة في العوائد قد تخلق Margin Calls، وتضغط على صفقات الـBasis Trade الممولة بالـRepo، وتجبر المستثمرين ذوي الرافعة المالية على تقليص مراكزهم.

عندها يمكن أن يحدث السيناريو الغريب:

ارتفاع العوائد يؤدي إلى بيع السندات، والبيع يرفع العوائد أكثر، وارتفاع العوائد يجبر مستثمرين آخرين على البيع.

وهو نوع الحلقة الذي يقلق الجهات الرقابية أكثر من مجرد مستوى العائد نفسه.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

ولهذا قد تكون الأيام المقبلة أكثر أهمية من نهاية الربع نفسها.

عمليات إعادة التوازن وفرت مشترين للسندات في لحظة حرجة، لكن جزءًا منها مؤقت بطبيعته.

السؤال الذي يجب مراقبته بعد ذلك هو: من سيبقى عندما يخرج المشتري القسري؟

إذا انتهت إعادة التوازن وظل الطلب قويًا واستقرت العوائد، ستكون تلك إشارة إلى أن مستوى 5% بدأ بالفعل يجذب قاعدة أوسع من المشترين.

أما إذا انتهت هذه التدفقات وعادت العوائد سريعًا إلى تسجيل قمم جديدة، فستكون الرسالة مختلفة تمامًا:

السوق لا يزال يطلب سعرًا أعلى مقابل تمويل الحكومة الأميركية.

وهنا تصبح المزادات المقبلة لسندات الخزانة أهم من حركة مؤشر داو جونز في يوم واحد.

نراقب حجم الطلب، نسبة Bid-to-Cover، حجم مشاركة المستثمرين غير المباشرين، والعائد الذي يطلبه السوق لقبول الإصدارات الجديدة.

لأن المعركة الحقيقية لم تعد بين الأسهم والسندات.

إنها بين طرفين أكبر:

كمية الديون التي تحتاج أميركا إلى بيعها… وكمية الأموال المستعدة لشرائها بالسعر الحالي.

وحتى الآن، ظهور أربعة مشترين مختلفين لم يمنع عائد العشر سنوات من تجاوز 5%.

ولهذا فإن السؤال الذي بدأ بـ«من يشتري سندات أميركا؟» قد يتحول خلال الفترة المقبلة إلى سؤال أهم بكثير:

كم يجب أن تدفع أميركا حتى يستمر العالم في الشراء؟

هذه ليست نصيحة استثمارية.