💡 خلاصة التحليل:
يشير التاريخ إلى ارتفاع مؤشر S&P 500 خلال الـ12 شهرًا التالية لكل انتخابات تجديد نصفي أمريكية منذ 1950 في عينة من 19 انتخابات، لكن ارتفاع عوائد السندات وتكلفة رأس المال وتقييمات الأسهم قد تجعل 2026 اختبارًا حقيقيًا لقدرة هذا النمط على التكرار.
انتخابات متتالية أعقبها صعود في وول ستريت خلال عام.. لكن ارتفاع تكلفة الاقتراض وتقييمات الشركات يضعان النمط التاريخي أمام اختبار جديد في 2026
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، تعود إلى وول ستريت واحدة من أكثر الظواهر التاريخية إثارة لاهتمام المستثمرين: فخلال 19 انتخابات متتالية منذ عام 1950 وحتى عام 2022، سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مكاسب خلال الأشهر الاثني عشر التالية للتصويت، بمتوسط ارتفاع يقارب 15 في المائة، وفق حسابات تستند إلى مستويات المؤشر السعرية.
لكن السؤال الذي يواجه المستثمرين هذه المرة لا يتعلق بقدرة التاريخ على تكرار نفسه فحسب، وإنما بما إذا كانت العوامل التي تدعم الأسهم قادرة على تجاوز الضغوط الناجمة عن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتكلفة رأس المال. فالأسواق تدخل الاستحقاق الانتخابي في بيئة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، بينما تتنافس أرباح الشركات وعوائد السندات وتوقعات السياسة النقدية على تحديد اتجاه الأموال.
قاعدة تاريخية لا تعرف الخسارة.. في عينة محددة
تشير البيانات التاريخية إلى أن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» حقق عائدا سعريا إيجابيا خلال الاثني عشر شهرا التالية لكل انتخابات تجديد نصفي جرت بين عامي 1950 و2022. ويمثل ذلك سلسلة من 19 فترة متتالية انتهت جميعها على ارتفاع، رغم اختلاف الظروف الاقتصادية والسياسية التي أحاطت بكل منها.
غير أن هذه النتيجة تتطلب قراءة دقيقة. فهي لا تعني أن الأسهم ارتفعت مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات، أو أن السوق لم يشهد تراجعات حادة خلال السنة التالية، وإنما تعني أن مستوى المؤشر بعد عام كان أعلى من مستواه عند الانتخابات.
كما أن توسيع نطاق الدراسة إلى تاريخ أقدم يكشف صورة أقل مثالية. فبحسب تحليل يستند إلى بيانات تاريخية تمتد إلى القرن التاسع عشر، سجلت الأسهم عوائد إيجابية خلال نحو 84 في المائة من السنوات التالية لانتخابات التجديد النصفي، وليس جميعها. وبذلك، تبدو القاعدة التاريخية قوية في العينة الحديثة، لكنها ليست قانونا اقتصاديا يضمن استمرار المكاسب.
لماذا تتحسن الأسهم بعد الانتخابات؟
يرتبط أحد التفسيرات بانحسار حالة عدم اليقين السياسي. فقبل الانتخابات، يحاول المستثمرون تقدير تأثير احتمالات تغير موازين القوى داخل الكونغرس على الضرائب والإنفاق الحكومي والتشريعات المنظمة للقطاعات الاقتصادية. ومع ظهور النتائج، تصبح بعض هذه الاحتمالات أكثر وضوحا، ما يسمح للأسواق بإعادة تسعير المخاطر.
كذلك، قد تتزامن الفترة التالية للانتخابات مع تغيرات في دورة السياسة النقدية أو تعاف اقتصادي أو تحسن أرباح الشركات، وهي عوامل قد تكون أكثر تأثيرا من الانتخابات نفسها. ومن هنا، فإن الارتباط التاريخي بين الانتخابات وصعود الأسهم لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة.
السندات.. الاختبار الأصعب
تختلف البيئة الحالية عن عدد من الدورات الانتخابية السابقة بفعل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل. وتكتسب عوائد السندات أهمية خاصة لأنها تمثل أحد المراجع الأساسية لتحديد تكلفة التمويل وتقييم الأصول المالية.
فعندما ترتفع العوائد، تصبح التدفقات النقدية المستقبلية للشركات أقل قيمة عند خصمها بمعدلات أعلى، وهو ما يضغط بصورة خاصة على الأسهم التي تعتمد تقييماتها على توقعات نمو بعيدة المدى. كما تزداد جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأسهم، بينما تواجه الشركات التي تحتاج إلى الاقتراض أو إعادة تمويل ديونها تكاليف إضافية.
وبالتالي، فإن تراجع الضبابية السياسية بعد الانتخابات قد لا يكون كافيا لدعم الأسهم إذا استمرت عوائد السندات عند مستويات مرتفعة أو واصلت الصعود. والأهم أن تأثير العوائد ليس متساويا بين الشركات. فالشركات ذات المديونية المحدودة والتدفقات النقدية القوية تتمتع عادة بمرونة مالية أكبر من الشركات التي تعتمد بصورة مكثفة على التمويل الخارجي.
أرباح الشركات في مواجهة تكلفة رأس المال
إلى جانب السندات، تمثل نتائج أعمال الشركات عاملا حاسما في تحديد قدرة السوق على الاستفادة من النمط التاريخي. فإذا استمر نمو الأرباح بوتيرة قوية، فقد يساعد ذلك على امتصاص جزء من الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد. أما إذا تزامنت تكلفة التمويل المرتفعة مع تباطؤ الأرباح، فقد تواجه الأسهم ضغوطا مزدوجة، من خلال انخفاض توقعات الربحية وتراجع مضاعفات التقييم.
وهنا يظهر الفرق بين ارتفاع السوق مدفوعا بتحسن الأساسيات المالية، وصعود يعتمد أساسا على تغير معنويات المستثمرين. كذلك، فإن اتساع نطاق المشاركة في المكاسب يمثل مؤشرا مهما على متانة أي ارتفاع محتمل. فصعود المؤشر بقيادة عدد محدود من الشركات الكبرى يختلف عن تحسن يشمل قطاعات متعددة وأعدادا أكبر من الأسهم.
هل يهم من يسيطر على الكونغرس؟
قد تؤثر تركيبة الكونغرس المقبلة في توقعات الأسواق بشأن التشريعات والضرائب والإنفاق، لكن العلاقة بين النتائج السياسية وأداء الأسهم ليست مباشرة. فالكونغرس المنقسم قد يحد من تمرير بعض التشريعات الكبرى، لكنه قد يؤدي أيضا إلى تعطيل قرارات تتعلق بالموازنة والتمويل الحكومي.
أما توافق السلطتين التنفيذية والتشريعية فقد يسهل تمرير السياسات، من دون أن يعني بالضرورة أن جميعها ستكون داعمة للأسهم. ولهذا، فإن الأثر الاستثماري يعتمد بدرجة أكبر على طبيعة السياسات الاقتصادية التي يجري تبنيها، لا على الانتماء الحزبي وحده.
ثلاثة سيناريوهات لما بعد نوفمبر
السيناريو الأول: انحسار الضبابية وتراجع العوائد. وفي هذه الحالة، قد تستفيد الأسهم من انخفاض علاوة المخاطر السياسية وتحسن ظروف التقييم، خصوصا إذا استمر نمو أرباح الشركات.
السيناريو الثاني: وضوح سياسي مع استمرار العوائد المرتفعة. وهنا قد يصبح أداء السوق أكثر انتقائية، مع تفضيل المستثمرين للشركات القادرة على توليد تدفقات نقدية قوية وتحمل تكلفة التمويل.
السيناريو الثالث: ضغوط متزامنة على الأرباح والسندات. وإذا تباطأ نمو الأرباح بينما ظلت تكلفة الاقتراض مرتفعة، فقد تتراجع قدرة السوق على تكرار النمط التاريخي، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات. ولا تمثل هذه السيناريوهات توقعات مؤكدة، وإنما إطارا لتحليل العوامل التي قد تقود السوق خلال الأشهر التالية للتصويت.
التاريخ يقدم إشارة.. لا ضمانا
تظل سلسلة الارتفاعات التي أعقبت انتخابات التجديد النصفي منذ عام 1950 واحدة من أكثر الأنماط لفتا للانتباه في تاريخ الأسهم الأمريكية. لكن تكرار النمط 19 مرة لا يجعل المرة العشرين نتيجة محسومة.
فالمستثمرون الذين ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها إشارة للشراء قد يغفلون أن الأسواق تتحرك في النهاية وفق مزيج من الأرباح والسيولة والفائدة والتقييمات والمخاطر الاقتصادية. ومع اقتراب الثالث من نوفمبر، لن يكون السؤال الأهم ما إذا كان التاريخ سيكرر نفسه فقط، بل ما إذا كانت الشركات الأمريكية قادرة على تحقيق نمو يكفي لتعويض تكلفة المال المرتفعة.
فالانتخابات قد تزيل جزءا من عدم اليقين، لكنها لا تلغي قوانين التقييم والاقتصاد