💡 خلاصة التحليل:
يناقش شريف نبوي إسماعيل ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة اقتصادية حقيقية أم فقاعة استثمارية محتملة، موضحًا أن نجاح التكنولوجيا لا يضمن نجاح جميع الشركات المرتبطة بها، وأن استدامة العوائد والتدفقات النقدية والإنتاجية ستحدد مدى قدرة الاستثمارات الضخمة على تبرير تقييمات الأسهم.
في المقال السابق، تحدثنا عن رحلة الذكاء الاصطناعي، وكيف أن التكنولوجيا التي يعتقد البعض أنها ظهرت مع ChatGPT تعود جذورها إلى ما يقرب من سبعين عامًا.
لكن هناك سؤالًا آخر أعتقد أنه يستحق التوقف عنده.
هل نحن أمام واحدة من أكبر الثورات الاقتصادية في التاريخ الحديث، أم أننا نعيش حالة جديدة من المبالغة الاستثمارية تشبه ما حدث مع الإنترنت في نهاية التسعينيات؟
والحقيقة أن السؤال ليس بسيطًا كما يبدو.
لأن التاريخ يخبرنا أن التكنولوجيا قد تكون ثورية بالفعل، وفي الوقت نفسه تكون أسعار الشركات المرتبطة بها مبالغًا فيها.
فليس كل استثمار في تكنولوجيا المستقبل استثمارًا ناجحًا.
عندما كان الإنترنت هو المستقبل
في نهاية التسعينيات، كان العالم يعيش حالة من الحماس غير المسبوق تجاه الإنترنت.
شركات جديدة تظهر يوميًا، واستثمارات بمليارات الدولارات، وأسعار أسهم ترتفع لمجرد ارتباط الشركة بعالم الإنترنت.
كان الاعتقاد السائد أن الاقتصاد القديم انتهى، وأن قواعد تقييم الشركات لم تعد صالحة.
ثم جاءت أزمة فقاعة الإنترنت عام 2000.
انهارت أسعار العديد من شركات التكنولوجيا، واختفت شركات بالكامل، وخسر المستثمرون مبالغ ضخمة.
لكن هل كان الإنترنت نفسه فقاعة؟
بالطبع لا.
الإنترنت غيّر الاقتصاد العالمي، وخلق صناعات كاملة، وأعاد تشكيل التجارة والإعلام والاتصالات والخدمات المالية.
المشكلة لم تكن في التكنولوجيا، وإنما في الفجوة بين التوقعات الاقتصادية وأسعار الأصول.
وهنا يظهر الدرس الذي أراه مهمًا لفهم ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي.
قد يكون المستثمر محقًا بشأن مستقبل التكنولوجيا، لكنه مخطئ بشأن السعر الذي يدفعه للاستثمار فيها.
ما المختلف هذه المرة؟
هناك اختلاف جوهري بين ثورة الإنترنت في بدايتها وما نشاهده اليوم.
الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على شركات ناشئة تعد المستثمرين بأرباح مستقبلية قد تتحقق أو لا تتحقق.
جزء كبير من الاستثمارات تقوده شركات عالمية تمتلك بالفعل تدفقات نقدية ضخمة، ومراكز مالية قوية، وقواعد عملاء بالملايين.
شركات مثل Microsoft وAlphabet وAmazon وMeta تستثمر مبالغ هائلة في مراكز البيانات والشرائح الإلكترونية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وهذه الشركات لا تبدأ من الصفر، بل تحاول استخدام التكنولوجيا الجديدة لتعزيز أعمال قائمة بالفعل، وخلق مصادر إيرادات إضافية.
لكن هذا لا يعني أن المخاطر اختفت.
فكلما ارتفعت الاستثمارات الرأسمالية، ارتفع معها السؤال عن العائد المتوقع.
وإذا كانت الشركات تنفق اليوم عشرات المليارات لبناء البنية التحتية، فمتى تتحول هذه الاستثمارات إلى أرباح وتدفقات نقدية تبرر حجم الإنفاق؟
وهنا نصل إلى نقطة أعتقد أنها ستكون محور النقاش خلال السنوات القادمة.
الانتقال من مرحلة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تحقيق العائد منه.
من يبيع الأدوات ومن سيحقق الأرباح؟
خلال فترات التحولات التكنولوجية الكبرى، لا يكون المستفيد الأكبر بالضرورة هو من يقدم المنتج النهائي للمستهلك.
في القرن التاسع عشر، خلال حمى البحث عن الذهب، استفاد كثير ممن باعوا المعدات والخدمات اللازمة للتنقيب، حتى عندما لم ينجح بعض الباحثين عن الذهب أنفسهم.
وهذا المثال يساعدنا على فهم جزء من سوق الذكاء الاصطناعي اليوم.
هناك شركات تصنع الشرائح الإلكترونية، وأخرى توفر مراكز البيانات، وشركات تقدم خدمات الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى الشركات التي تطور النماذج والتطبيقات.
لكن من المهم أن نفرق بين الإيرادات التي تتحقق من بناء البنية التحتية، والإيرادات التي ستتحقق لاحقًا من الاستخدام الاقتصادي الفعلي.
فالشركة التي تشتري شرائح إلكترونية بمليارات الدولارات لا تضمن بالضرورة تحقيق عائد مناسب على هذا الاستثمار.
وإذا لم تنجح التطبيقات النهائية في تحقيق إيرادات كافية، فقد تتباطأ الاستثمارات في البنية التحتية نفسها.
وهذا يوضح أن قطاعات الذكاء الاصطناعي ليست منفصلة، بل مرتبطة ببعضها من خلال سلسلة اقتصادية واستثمارية واحدة.
هل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى محرك للنمو الاقتصادي؟
من وجهة نظري، هذه هي النقطة الأكثر أهمية في القصة كلها.
التأثير الاقتصادي الحقيقي للذكاء الاصطناعي لن يكون في عدد الأشخاص الذين يستخدمون ChatGPT يوميًا، ولا في عدد الصور أو مقاطع الفيديو التي يتم إنتاجها.
التأثير الحقيقي سيظهر عندما تبدأ الشركات في إنتاج المزيد باستخدام الموارد نفسها، أو تقديم الخدمات بتكلفة أقل، أو تطوير منتجات لم يكن من الممكن تقديمها اقتصاديًا من قبل.
بمعنى آخر، نحن نتحدث عن الإنتاجية.
لنفترض أن مؤسسة مالية تحتاج إلى فريق كبير لتحليل آلاف التقارير والقوائم المالية.
إذا استطاعت استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الوقت اللازم للتحليل من عدة أيام إلى ساعات، مع الحفاظ على جودة النتائج والرقابة البشرية، فإنها تحقق تحسنًا واضحًا في الكفاءة التشغيلية.
لكن القيمة الاقتصادية الأكبر لا تأتي بالضرورة من تقليل عدد الموظفين.
قد تأتي من قدرة المؤسسة نفسها على خدمة عدد أكبر من العملاء، وتحليل فرص استثمارية أكثر، وتقديم خدمات جديدة دون زيادة مماثلة في التكاليف.
وهذا هو الفارق بين استخدام التكنولوجيا كأداة لتوفير المصروفات، واستخدامها كوسيلة لتوسيع النشاط الاقتصادي.
إذا تكرر هذا التحسن عبر قطاعات متعددة، فقد ينعكس تدريجيًا على إنتاجية الاقتصاد ومعدلات نموه.
لكن علينا أيضًا ألا نخلط بين الإمكانيات النظرية والنتائج الفعلية.
فالتكنولوجيا لا تحقق قيمتها الاقتصادية بمجرد اختراعها، وإنما عندما تنجح المؤسسات في دمجها داخل عملياتها بصورة فعالة.
وماذا عن أسواق المال؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.
أسواق الأسهم لا تتحرك فقط بناءً على الأرباح الحالية، وإنما بناءً على توقعات المستثمرين بشأن المستقبل.
وعندما ترتفع التوقعات بسرعة كبيرة، قد ترتفع معها التقييمات إلى مستويات تفترض بالفعل سنوات من النمو القوي.
المشكلة تظهر عندما تصبح التوقعات أكبر من قدرة الشركات على التنفيذ.
فحتى الشركة الممتازة قد تصبح استثمارًا غير جذاب إذا كان سعر سهمها يعكس سيناريو متفائلًا للغاية.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تكلفة رأس المال.
فالشركات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية تتأثر بمستويات أسعار الفائدة وتكلفة التمويل.
وكلما ارتفعت تكلفة رأس المال، أصبح تحقيق عائد اقتصادي مناسب على المشروعات الجديدة أكثر صعوبة.
لذلك لا يمكن تحليل مستقبل استثمارات الذكاء الاصطناعي بمعزل عن السياسة النقدية وأسواق السندات وأسعار الفائدة.
ومن هنا أرى أن المستثمر خلال المرحلة المقبلة يجب ألا يكتفي بالسؤال عن حجم نمو إيرادات الذكاء الاصطناعي.
بل يجب أن يسأل أيضًا:
هل تحقق الشركة تدفقات نقدية حقيقية؟ وهل العائد المتوقع على رأس المال المستثمر يتجاوز تكلفته؟ وهل تستطيع المحافظة على ميزتها التنافسية عندما تصبح التكنولوجيا متاحة لعدد أكبر من المنافسين؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من مجرد معرفة حجم الاستثمارات المعلنة.
هل تتكرر فقاعة الإنترنت؟
أعتقد أن هناك تشابهًا في الحماس والتوقعات، لكن هناك أيضًا اختلافات كبيرة في طبيعة الشركات وقدراتها المالية.
ولهذا لا أرى أن الاختيار يجب أن يكون بين رأيين متطرفين: إما أن الذكاء الاصطناعي سيغير العالم بالكامل دون أي خسائر استثمارية، أو أنه مجرد فقاعة ستنتهي بانهيار التكنولوجيا.
فمن الممكن جدًا أن يحدث الأمران معًا.
قد يستمر الذكاء الاصطناعي في تغيير الاقتصاد العالمي لعقود قادمة، وفي الوقت نفسه تتعرض بعض الشركات المرتبطة به لتصحيحات حادة، أو تفشل نماذج أعمالها، أو تتراجع عوائد استثماراتها.
التاريخ مليء بتكنولوجيات نجحت اقتصاديًا، بينما لم ينجح كل المستثمرين الذين راهنوا عليها.
الخلاصة
أعتقد أننا أمام تحول اقتصادي حقيقي، لكن حجم هذا التحول وسرعته وتوزيع مكاسبه ما زالت أمورًا غير محسومة.
والتحدي خلال السنوات المقبلة لن يكون إثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على أداء مهام مذهلة، فقد رأينا بالفعل الكثير من ذلك.
التحدي سيكون إثبات أنه قادر على خلق قيمة اقتصادية مستدامة تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة فيه.
وهنا يجب أن نفرق بين ثلاثة أشياء: التكنولوجيا الجيدة، والشركة الجيدة، والاستثمار الجيد.
فقد تكون التكنولوجيا عظيمة، والشركة ناجحة، ومع ذلك يكون الاستثمار في سهمها عند سعر معين قرارًا خاطئًا.
وربما يكون أهم درس نتعلمه من التاريخ أن الثورات التكنولوجية لا تلغي قواعد الاقتصاد والاستثمار.
بل تجعل فهم هذه القواعد أكثر أهمية.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون مستقبل الاقتصاد، لكن ذلك لا يعني أن كل سهم يحمل اسمه هو بالضرورة استثمار المستقبل
مصدر البيانات