تحليل سوق

البلوك تشين تطرق باب الشركات الخليجية.. هل تسد فجوة تمويل بـ250 مليار دولار؟

البلوك تشين تطرق باب الشركات الخليجية.. هل تسد فجوة تمويل بـ250 مليار دولار؟

💡 خلاصة التحليل:

الترميز عبر البلوك تشين يفتح قناة جديدة لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في الخليج، لكنه لا يلغي مخاطر الائتمان أو يضمن السيولة، إذ يظل نجاح التجربة مرتبطًا بجودة المقترضين، وإدارة المخاطر، والشفافية، وقدرة المستثمرين على التخارج.

في منطقة تضع تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة في قلب خططها الاقتصادية، تبدو المفارقة واضحة: هذه الشركات تولّد الوظائف وتدعم التنويع، لكنها تظل من أكثر القطاعات معاناة في الحصول على التمويل. ومن هذه الفجوة، تحاول تقنية البلوك تشين الانتقال من عالم العملات المشفرة إلى مهمة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي: تمويل الشركات.

أعلنت شركة «ضمانات» رعاية صندوق ائتمان خاص مُرمّز، يتخذ من مركز دبي المالي العالمي مقراً له، بحجم مستهدف يصل إلى 100 مليون دولار. ووفقاً لبيان الشركة، يستهدف الصندوق جزءاً من فجوة تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي، التي قدّرتها بنحو 250 مليار دولار، فيما لا تتجاوز نسبة الشركات القادرة على الوصول إلى الائتمان 11 في المائة.

الصندوق لن يقرض عبر عملة مشفرة، كما قد يوحي الوصف للوهلة الأولى. الفكرة أبسط: توجيه أموال المستثمرين إلى شركات خليجية لا تحصل على احتياجاتها كاملة من البنوك، ثم إصدار حصص المستثمرين في صورة رموز رقمية مسجلة على شبكة بلوك تشين.

وبحسب البيان، سيعمل الصندوق ضمن إطار تنظيمي في مركز دبي المالي العالمي، وسيقتصر على العملاء المحترفين والمؤسسات المؤهلة. وتمتلك سلطة دبي للخدمات المالية بالفعل إطاراً تنظيمياً لرموز الاستثمار يشمل إصدارها وتداولها وحفظها داخل المركز، ما يمنح التجربة مظلة قانونية تختلف جذرياً عن الطروحات المشفرة غير المنظمة. سلطة دبي للخدمات المالية

ماذا تضيف البلوك تشين؟

يمكن للترميز أن يجعل إثبات الملكية وتسوية المعاملات أكثر سرعة ووضوحاً، ويخفّض بعض الأعمال اليدوية المرتبطة بنقل الحصص وحفظ السجلات. ويعرّف بنك إنجلترا الترميز بأنه إنشاء نسخة رقمية من أصل مالي، مثل السهم أو السند، يمكن تتبعها وتداولها إلكترونياً. بنك إنجلترا

نظرياً، قد يسمح ذلك بتقسيم الاستثمار إلى حصص أصغر، وتوسيع قاعدة المستثمرين المؤهلين، وتحسين مراقبة حركة الملكية. كما يمكن للعقود الذكية أتمتة بعض الإجراءات، مثل توزيع العوائد أو التحقق من أهلية المستثمر قبل تنفيذ الصفقة.

لكن هذه المزايا تخص البنية التحتية للاستثمار، لا جودة الاستثمار نفسه. فتحويل حصة في قرض إلى رمز رقمي لا يجعل الشركة المقترضة أكثر قدرة على السداد، ولا يحوّل الائتمان مرتفع المخاطر إلى أصل آمن.

التحدي الأول: من يتحمل التعثر؟

الشركات التي لا تمولها البنوك قد تكون فرصاً مهملة، لكنها قد تحمل أيضاً مخاطر أعلى أو سجلات مالية محدودة. لذلك تبقى جودة فحص المقترضين، والضمانات، وتسعير الفائدة، وآليات استرداد الأموال أهم من التقنية المستخدمة لإصدار الحصص.

ويشير مجلس الاستقرار المالي إلى أن نمو الائتمان الخاص يدعم تمويل الشركات المتوسطة، لكنه يثير مخاوف مرتبطة بالشفافية، وتقييم الأصول، وترابط الصناديق مع المؤسسات المالية. وقدّر المجلس حجم سوق الائتمان الخاص عالمياً بما يتراوح بين 1.5 وتريليوني دولار. مجلس الاستقرار المالي

السيولة ليست مضمونة

أحد أكبر الوعود المرتبطة بالترميز هو تحسين قابلية التداول، لكن وجود الرمز لا يعني وجود مشترٍ. وإذا اقتصر الاستثمار على قائمة من العملاء المحترفين، فقد تظل السوق الثانوية محدودة، خصوصاً في أوقات الضغط.

وقد يستطيع المستثمر رؤية حصته الرقمية على مدار الساعة، لكنه قد لا يستطيع بيعها بالسعر الذي يريده. لذلك يجب التمييز بين سهولة نقل الملكية ووجود سيولة حقيقية.

كما تبرز تحديات أخرى، تشمل الأمن السيبراني، وحفظ المفاتيح الرقمية، والتوافق بين الشبكات، ومكافحة غسل الأموال، وحماية بيانات الشركات. وفي الصناديق المتوافقة مع الشريعة، تضاف ضرورة التأكد من طبيعة العقود والأصول واستخدام التمويل، مع وجود رقابة شرعية مستمرة لا تقتصر على التصنيف عند الإطلاق.

التجربة تحمل فرصة حقيقية: ربط رأس المال المؤسسي بشركات خليجية تحتاج إلى النمو، باستخدام بنية رقمية أكثر كفاءة. لكن نجاحها لن يُقاس بعدد الرموز الصادرة، بل بحجم الأموال التي تصل فعلياً إلى الشركات، ونسب التعثر، والعوائد المحققة، وقدرة المستثمرين على الخروج.

البلوك تشين قد تغيّر أنابيب التمويل، لكنها لا تلغي قواعده القديمة: اختيار مقترض جيد، وتسعير المخاطر بدقة، وشفافية لا تتوقف عند كتابة المعاملة على السجل الرقمي.