تحليل سوق

Apple... من جراج في كاليفورنيا إلى قيمة سوقية بأربعة تريليونات دولار

 Apple... من جراج في كاليفورنيا إلى قيمة سوقية بأربعة تريليونات دولار

💡 خلاصة التحليل:

قصة شركة آبل منذ تأسيسها في جراج بكاليفورنيا عام 1976، مرورا بطرد ستيف جوبز واقتراب الشركة من الإفلاس. وصولا إلى عودته وإطلاق iPhone، ثم توسع تيم كوك في المنظومة والخدمات حتى تجاوزت قيمتها أربعة تريليونات دولار.

يقترن اسم آبل اليوم بالأجهزة الأنيقة والقيمة السوقية الهائلة، غير أن الشركة التي تتجاوز قيمتها أربعة تريليونات دولار بدأت في جراج مزدحم بالمعدات، ومرت في طريقها بصراعات داخلية وخلافات بين الشركاء، بل وبطرد مؤسسها ستيف جوبز من الشركة التي أسسها.

ولفهم حجم التحول الذي أحدثته آبل، ينبغي استحضار صورة الحواسيب في ذلك الوقت. كانت صناديق ضخمة تعمل بمصابيح تضيء وتنطفئ، ولا يفهم لغتها إلا المتخصصون، وكان استخدامها مقصورا على الحكومات والجامعات، ولم يكن أحد يتصور أن يدخل الحاسوب إلى البيوت. إلى أن ظهر شخصان غيّرا هذه المعادلة: ستيف وزنياك وستيف جوبز.

كان وزنياك موهبة تقنية يعمل في شركة HP على تصميم الآلات الحاسبة، وكان شغفه الأول هو الاختراع لذاته. أما جوبز فكان على النقيض؛ ترك الجامعة، وعاد من رحلة روحانية في الهند، وعمل في شركة ألعاب الفيديو أتاري. لم يكن مهندسا ولا مبرمجا، لكنه امتلك رؤية واضحة وقدرة على إقناع الآخرين بها.

تعارف الاثنان عام 1971، حين كان جوبز في السادسة عشرة ووزنياك في الحادية والعشرين، وأدرك جوبز منذ اللقاء الأول أنه وجد الشريك الذي يحتاجه. جمعتهما فكرة واحدة: أن يكون الحاسوب أداة شخصية سهلة تعمل بمجرد تشغيلها. ولتمويل هذه الفكرة، باع جوبز سيارته الفولكس فاجن، وسيلة تنقله الوحيدة، وباع وزنياك أثمن ما يملك، وهو آلة حاسبة علمية متطورة من إنتاج HP. جمع الاثنان 1300 دولار، وصنعا أول 50 لوحة إلكترونية في جراج منزل والد جوبز، وبيعت الواحدة منها بـ666 دولارا. أما اسم الشركة فاختاره جوبز بعد عودته من مزرعة تفاح، ولأنه يبدأ بحرف A فيسبق اسم أتاري في دليل الهاتف.

في عام 1977 انضم إلى الشركة المستثمر مايك ماركولا بمبلغ 250 ألف دولار، فتحولت الفكرة إلى شركة حقيقية. وطرحت آبل جهاز Apple II الذي عُدّ إنجازا في وقته، إذ جمع بين الألوان والصوت وسهولة الاستخدام. وخلال ثلاث سنوات فقط باعت الشركة 100 ألف جهاز، ووصلت مبيعاتها إلى 139 مليون دولار. وفي عام 1980 طُرحت أسهم آبل في البورصة، وصنع الطرح في يوم واحد عددا من المليونيرات لم يسبق له مثيل حتى ذلك الوقت.

ومع هذا النجاح، اتجه جوبز إلى مشروعه التالي: جهاز ماكنتوش، الذي قُدّم بوصفه جهازا يعمل بالفأرة وبواجهة رسومية، وطُرح عام 1984 مصحوبا بإعلان شهير عُرض خلال مباراة السوبر بول. لكن النجاح غيّر أسلوب جوبز في الإدارة؛ فصار حادا مع الموظفين، يفرض معايير صارمة في السعي إلى الكمال. ولم يحتمل وزنياك هذا المناخ، فغادر الشركة عام 1985 ليعود إلى شغفه الأول بالاختراع بعيدا عن الضغوط، لتنتهي بذلك الشراكة بين المهندس والحالم.

وفي العام نفسه وقعت الأزمة الأكبر. كان جوبز قد استقدم جون سكولي من شركة بيبسي، وسأله سؤاله الشهير عما إذا كان يريد أن يقضي حياته في بيع المياه المحلاة أم أن يأتي ليغير العالم. والمفارقة أن سكولي نفسه هو من قاد التحرك الذي أخرج جوبز من شركته، فغادرها وهو في الثلاثين من عمره يشعر بالخذلان.

ويمكن مشاهدة القصة كاملة في حلقة «ما وراء الإمبراطورية»:

بعد خروج جوبز فقدت آبل بوصلتها؛ جربت الطابعات والكاميرات وجهاز نيوتن، ولم يحقق أي منها النجاح المنتظر. وفي عام 1996 بلغت الخسائر 1.5 مليار دولار، وباتت الشركة على بعد 90 يوما من إعلان إفلاسها.

في تلك اللحظة قررت آبل شراء شركة جوبز الجديدة NeXT مقابل 400 مليون دولار، فعاد جوبز إليها مستشارا. ووجد الشركة في وضع متدهور، فأقدم على خطوة غير مألوفة في عالم الأعمال: طلب استثمارا من منافسه اللدود بيل جيتس. وضخت مايكروسوفت 150 مليون دولار لإنقاذ آبل، في خطوة رأى فيها كثيرون وسيلة لتخفيف ضغوط قضايا الاحتكار عنها. ثم بدأ جوبز إعادة ترتيب الشركة، فألغى 70 في المائة من المشروعات المتعثرة، وأطلق شعار Think Different.

وفي عام 1998 طرحت آبل جهاز iMac الشفاف متعدد الألوان، الذي حوّل الحاسوب إلى قطعة تصميم، وأسهم في إنقاذ الشركة من الإفلاس. فقد أدرك جوبز أن المنافسة لا تقوم على التقنية وحدها، بل على أسلوب الحياة. وفي عام 2001 طرح iPod الذي غيّر سوق الموسيقى، ثم وقف على المسرح عام 2007 ليعلن تقديم ثلاثة منتجات ثورية في جهاز واحد اسمه iPhone. وعلى الرغم من سخرية رئيس مايكروسوفت آنذاك من الجهاز، فإن iPhone يحقق اليوم أكثر من نصف إيرادات آبل. وفي عام 2008 أطلقت الشركة متجر التطبيقات App Store، الذي أتاح لها الحصول على عمولة بنسبة 30 في المائة من مبيعات التطبيقات.

في عام 2011 توفي ستيف جوبز، وتوقع كثيرون أن تتراجع آبل من بعده. لكن تيم كوك، الذي خلفه، امتلك موهبة مختلفة هي بناء الأنظمة. فقد حوّل آبل إلى منظومة مترابطة، يجد فيها من يشتري iPhone نفسه بحاجة إلى الساعة والسماعة وخدمة التخزين السحابي، ويصعب عليه الخروج منها دون أن يخسر صوره وما اعتاده من سهولة. كما دفع كوك الشركة نحو الاستقلال بمعالجاتها الخاصة Apple Silicon، وبنى قطاع خدمات قائما على الاشتراكات الشهرية يدر أكثر من 85 مليار دولار سنويا.

وكانت النتيجة أن بلغت آبل قيمة سوقية قدرها تريليون دولار لأول مرة عام 2018، ثم تجاوزت أربعة تريليونات دولار. والقصة في جوهرها ليست قصة تقنية فقط، بل قصة علامة تجارية نجحت في أن تربط قيمة المستخدم بقيمة الجهاز الذي يحمله. ورغم التحديات، مثل ارتفاع سعر نظارة Vision Pro وتأخر الشركة النسبي في سباق الذكاء الاصطناعي، تبقى آبل الإمبراطورية التي بدأت في جراج مزدحم، والتي تقدم مثالا على أن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن من يُقصى عن شركته قد يعود ليعيد بناءها أقوى مما كانت.