تحليل سوق

هل يعيد نفط 100 دولار السفن إلى قناة السويس؟

هل يعيد نفط 100 دولار السفن إلى قناة السويس؟

💡 خلاصة التحليل:

عودة بعض خطوط الشحن الكبرى تدريجيًا إلى البحر الأحمر وقناة السويس تعكس ارتفاع تكلفة الدوران حول أفريقيا، ومع ارتفاع أسعار الوقود قد تزداد الجاذبية الاقتصادية للمسار الأقصر، لكن استمرار العودة يظل مرتبطًا بمستوى المخاطر الأمنية والتأمينية في المنطقة.

في ظاهر المشهد، يبدو ما يحدث في البحر الأحمر متناقضًا. المخاطر الجيوسياسية المحيطة بباب المندب ترتفع، بينما بدأت بعض أكبر شركات الشحن العالمية زيادة عدد خدماتها المارة عبر قناة السويس. لكن ما يبدو تناقضًا سياسيًا قد يكون مفهومًا تمامًا عند النظر إليه من زاوية اقتصادية. ففي 14 سبتمبر، أعلنت شركتا Maersk وHapag-Lloyd تحويل أربع خدمات إضافية ضمن شبكة Gemini من طريق رأس الرجاء الصالح إلى مسار البحر الأحمر وقناة السويس، لتنضم إلى خدمتين كانتا قد عادتا بالفعل إلى هذا الطريق.

القرار لا يعني أن شركات الشحن تعتبر البحر الأحمر خاليًا من المخاطر. الشركتان أكدتا استمرار مراقبة الوضع الأمني وإمكانية تغيير المسارات مجددًا إذا تصاعدت التوترات. لكنه يكشف عن معادلة جديدة: تكلفة تجنب الخطر أصبحت هي الأخرى مرتفعة.

فاتورة الدوران حول أفريقيا

منذ اضطرابات البحر الأحمر التي دفعت شركات شحن إلى الابتعاد عن قناة السويس، أصبح رأس الرجاء الصالح بمثابة «بوليصة تأمين جغرافية». السفينة تتجنب منطقة الخطر، لكنها تدفع الثمن في صورة مسافة أطول واستهلاك أكبر للوقود ووقت إضافي.

وقدرت الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» سابقًا أن تغيير مسار سفن بين آسيا وأوروبا حول أفريقيا يمكن أن يضيف نحو 12 يومًا إلى الرحلة، بما يعادل زيادة تقارب 30% في زمن العبور في بعض الحالات.

ولا تتوقف التكلفة عند الوقود. السفينة التي تستغرق وقتًا أطول لإكمال الدورة تحتاج إلى عدد أكبر من السفن للحفاظ على وتيرة الإبحار نفسها، فيما تبقى البضائع ورأس المال العامل عالقين في البحر لفترات أطول. وتضاف إلى ذلك تكاليف الطواقم والتأمين والصيانة والانبعاثات.

دوهنا يصبح سعر النفط متغيرًا بالغ الأهمية. ماذا يحدث عند 100 دولار؟ كلما ارتفعت أسعار الطاقة والوقود البحري، ارتفعت تكلفة كل ميل إضافي تقطعه السفينة. وبالتالي فإن ارتفاع النفط لا يعني تلقائيًا عودة السفن إلى قناة السويس، لكنه يجعل البديل الأفريقي أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية.

المعادلة التي تواجه شركات الشحن تصبح عندها مقارنة بين «علاوة الخطر» للمرور عبر البحر الأحمر وبين «علاوة المسافة» للدوران حول القارة الأفريقية. إذا ارتفعت تكلفة الوقود والوقت والسفن الإضافية بوتيرة أسرع من تكاليف التأمين والحماية المرتبطة بالبحر الأحمر، فقد يصبح المرور عبر السويس اقتصاديًا أكثر إغراءً، طالما ظل مستوى الخطر ضمن الحدود التي تقبلها الشركات وشركات التأمين. وهذه النقطة تحديدًا قد تمثل المفارقة المصرية.

عودة بدأت بالفعل

بيانات هيئة قناة السويس تشير إلى تحسن واضح في نشاط سفن الحاويات. فقد بلغت الحمولة الصافية لهذه السفن خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 72.1 مليون طن، مقابل 46.7 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة 54.2%.

كما شهدت القناة في 16 سبتمبر أول عبور جنوبًا لسفينة الحاويات العملاقة OOCL Portugal التابعة لشركة COSCO منذ اضطرابات البحر الأحمر، فيما قالت الهيئة إن خطوطًا كبرى بينها CMA CGM وMaersk وMSC وHapag-Lloyd وCOSCO عادت بدرجات مختلفة إلى استخدام الممر.

هذه الأرقام لا تعني أن أزمة قناة السويس انتهت، لكنها تشير إلى أن مرحلة العودة التدريجية بدأت بالفعل.

النفط.. خسارة ومكسب في الوقت نفسه؟

بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، ارتفاع النفط يمثل في الأساس تحديًا، لما يحمله من ضغوط على تكاليف الطاقة والنقل والاستيراد والتضخم. لكن قناة السويس قد تكون الاستثناء المثير للاهتمام.

فكل ارتفاع إضافي في تكلفة تشغيل السفن يزيد القيمة الاقتصادية لأقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا. وما كان مقبولًا عندما كان الوقود أرخص قد يصبح أكثر تكلفة عندما تستقر أسعار النفط عند مستويات مرتفعة. لكن هناك خطًا أحمر لهذه المعادلة: الأمن.

إذا تحولت المخاطر في باب المندب من تهديد يمكن تسعيره والتأمين عليه إلى خطر مباشر وغير قابل للتنبؤ، فلن يكون ارتفاع الوقود كافيًا لإبقاء السفن في المسار. لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم خلال الأشهر المقبلة: هل ستعود السفن إلى قناة السويس؟ بل سؤال أكثر دقة: أيهما سيصبح أكثر تكلفة على شركات الشحن: المرور عبر منطقة الخطر، أم الهروب منها؟ وقد تحمل الإجابة مفتاح واحدة من أهم قصص الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة. ملاحظة تحريرية لا يُقدَّم ارتفاع النفط باعتباره السبب المعلن لقرار Maersk وHapag-Lloyd. الربط بين ارتفاع تكلفة الوقود وجاذبية الطريق الأقصر هو فرضية تحليلية اقتصادية، بينما تظل الاعتبارات الأمنية والتشغيلية والتأمينية عوامل حاسمة في قرارات المسارات.