💡 خلاصة التحليل:
ترمب يستخدم وعود التهدئة والاتفاقات المحتملة كأداة لطمأنة الأسواق ودعم الأسهم، لكن تأثير التصريحات قد يكون مؤقتًا إذا لم تتحول إلى تسويات فعلية، ما يجعل اعتماد المستثمرين على «أمل التهدئة» مصدر خطر بحد ذاته.
لم يعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتعامل مع الأسواق بوصفها مجرد مرآة للاقتصاد، بل باعتبارها جزءًا من أدوات الحكم وإدارة الرأي العام. فحين ترتفع الأسهم، يسارع إلى تقديم القمم التاريخية دليلًا على نجاح سياساته، وعندما تتراجع تحت وطأة قراراته أو الأزمات الجيوسياسية، يظهر بخطاب يعد باتفاق قريب أو نهاية وشيكة للصراع.
هذا النمط عاد إلى الواجهة مع حديث ترمب عن أن الحرب مع إيران ستنتهي، ربما قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية أو بعدها مباشرة، إلى جانب تأكيده أن طهران ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق. التصريحات لم تتضمن خريطة طريق واضحة، ولم تكشف عن مفاوضات وصلت إلى مراحلها النهائية، لكنها قدمت للأسواق ما تحتاجه مؤقتًا: احتمالًا يمكن تسعيره بدلًا من سيناريو مفتوح للتصعيد. تأتي هذه الرسائل في توقيت بالغ الحساسية. فالنفط تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، واضطرابات الإمدادات تضغط على توقعات التضخم، بينما تراقب أسواق السندات احتمالات رفع أسعار الفائدة. وفي بيئة كهذه، لا تحتاج الأسهم إلى اندلاع أزمة جديدة كي تتراجع؛ يكفي أحيانًا أن تقتنع بأن الحرب ستطول، وأن كلفتها ستنتقل من محطات الوقود إلى أسعار السلع وأرباح الشركات. لكن ما يفعله ترمب مع إيران ليس استثناءً. ففي أبريل 2025، أدت التعريفات الجمركية الواسعة التي أعلنها إلى موجة بيع حادة في الأسهم، واضطراب في سوق السندات، قبل أن يقرر تعليق معظم الرسوم الخاصة بالدول لمدة 90 يومًا. لم تنته الخلافات التجارية، لكن التراجع التكتيكي كان كافيًا لإطلاق ارتداد قوي في وول ستريت. وتكرر المشهد مع الصين. فبعدما رفعت واشنطن الرسوم على الواردات الصينية إلى مستويات خانقة، بدأ ترمب يتحدث عن إمكانية التوصل إلى تفاهم جيد مع بكين. وفي مايو 2025، اتفق الطرفان على خفض مؤقت للرسوم؛ من 145 إلى 30 في المائة على الجانب الأميركي، ومن 125 إلى 10 في المائة على الجانب الصيني. احتفت الأسواق بالهدنة، رغم أن جذور المواجهة التجارية ظلت قائمة. حتى علاقة ترمب مع الاحتياطي الفيدرالي خضعت للأسلوب نفسه. فبعد هجوم عنيف على رئيس البنك جيروم باول، أثار مخاوف بشأن استقلالية السياسة النقدية، خرج الرئيس ليؤكد أنه لا ينوي إقالته. وكانت الرسالة كافية لتخفيف القلق ورفع العقود الآجلة للأسهم والدولار، رغم استمرار الضغط السياسي من أجل خفض الفائدة. أما في الملفات العسكرية، فقد تكرر الحديث عن قرب إنهاء حرب أوكرانيا، أو إحراز تقدم كبير نحو اتفاق، من دون أن تتحول الوعود المتلاحقة إلى تسوية دائمة. وفي يونيو 2025، أدى إعلان ترمب وقفًا لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل إلى هبوط النفط وصعود الأسهم، قبل أن تظهر سريعًا هشاشة التفاهمات الميدانية. تعتمد هذه الاستراتيجية على إدراك حقيقة أساسية: الأسواق لا تتحرك وفق الوقائع وحدها، بل وفق التوقعات أيضًا. وعندما يكون الخوف مرتفعًا، يمكن لعبارة عن مفاوضات قريبة أن تقلص علاوة المخاطر، وتدفع النفط إلى التراجع، وتمنح الأسهم فرصة للتعافي، حتى قبل توقيع أي وثيقة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل وعود ترمب مجرد مناورة. فقد أفضت بعض ضغوطه بالفعل إلى هدن أو تفاهمات مؤقتة. لكن الفارق كبير بين تهدئة السوق وحل الأزمة؛ الأولى يمكن تحقيقها بتصريح، أما الثانية فتحتاج إلى تنازلات وضمانات وآليات تنفيذ. يريد ترمب بورصة تسجل قممًا جديدة لأنها تخدم روايته عن الاقتصاد القوي، وتدعم الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي. غير أن الخطورة تكمن في اعتياد المستثمرين شراء كل وعد بالتهدئة. فإذا اكتشفت الأسواق أن الأمل لا يستند إلى تغير حقيقي على الأرض، فقد يتحول المسكن إلى مشكلة إضافية. ترمب يجيد بيع الأمل، لكن السوق، مهما طال صبره، سيطلب في النهاية تسليم البضاعة.