💡 خلاصة التحليل:
تكشف نتائج SHEIN كيف يمكن لاضطرابات مضيق هرمز أن تتجاوز سوق النفط لتضغط على الشحن ووقود الطائرات والبتروكيماويات والأسمدة، ثم تنتقل تدريجيًا إلى تكاليف الشركات وهوامش أرباحها وأسعار المستهلكين.
عندما تهبط أرباح شركة ملابس 67% بسبب الوقود والشحن، فهذه إشارة إلى أن فاتورة هرمز بدأت تتحرك بعيدًا عن سوق النفط. قد تبدو شركة أزياء سريعة مثل SHEIN بعيدة تمامًا عن مضيق هرمز. فهي لا تنتج النفط، ولا تدير ناقلات، ولا تبيع الغاز. لكن أحدث نتائجها تكشف كيف يمكن لأزمة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم أن تنتقل عبر الاقتصاد حتى تصل إلى قطعة ملابس رخيصة تُطلب عبر الهاتف. أعلنت SHEIN تراجع أرباحها الفصلية المعدلة بنسبة 67% إلى 228 مليون دولار، بينما انخفض هامش التشغيل إلى 2.1% مقابل 6.2% قبل عام. ومن بين الضغوط التي واجهتها الشركة ارتفاع أسعار وقود الطائرات وتكاليف الشحن المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، في وقت ارتفعت فيه تكاليف تنفيذ وشحن الطلبات بنحو 18.1%. القصة إذن ليست SHEIN وحدها. إنها مثال واضح لما يمكن تسميته «الأثر من الدرجة الثانية لهرمز»: الصدمة تبدأ في الطاقة، ثم تنتقل إلى النقل، ومنها إلى تكلفة الإنتاج والتوزيع، قبل أن تظهر في هوامش أرباح شركات لم تكن تبدو في البداية جزءًا من الحرب. لماذا هرمز بهذه الخطورة؟ قبل الاضطرابات، كان المضيق واحدًا من أهم شرايين الطاقة على الكوكب. بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغت تدفقات النفط عبر هرمز نحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025. وتاريخيًا مثّلت التدفقات عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا ونحو خُمس استهلاك النفط والمنتجات البترولية في العالم. والأمر لا يتوقف عند النفط. نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية كانت تمر عبر هرمز، معظمها من قطر، بينما تتجه النسبة الأكبر من هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية. وهنا تبدأ سلسلة الضحايا. الضحية الأولى: الشحن ربما يكون قطاع النقل البحري أسرع الأماكن التي تظهر فيها «ضريبة هرمز». المخاطر الأمنية تعني تأمينًا أغلى، وسفنًا أقل استعدادًا لدخول مناطق الخطر، ومسارات وعمليات نقل أكثر تعقيدًا. وفي سبتمبر وصلت تكلفة استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة إلى نحو 1.27 مليون دولار يوميًا وسط نقص السفن والازدحام المرتبط بعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان. حتى المنتج نفسه قد لا يكون المشكلة؛ تكلفة نقله أصبحت جزءًا من السعر. وتظهر هذه الضغوط أيضًا في بحث منتجي النفط عن وسائل لمساعدة المشترين على امتصاص تكاليف الشحن المرتفعة. الضحية الثانية: الطيران الطائرات لا تمر عبر هرمز، لكن وقودها يتأثر به. وهذه واحدة من أكثر حلقات العدوى وضوحًا. ارتفاع وقود الطائرات يضغط على أرباح شركات الطيران حتى مع بقاء الطلب قويًا، لأن شركة الطيران لا تستطيع دائمًا رفع سعر التذكرة بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكلفة الوقود، خصوصًا أن جزءًا من المقاعد يكون قد بيع مسبقًا. وبالتالي تصبح المعادلة: هرمز → نفط أغلى → وقود طائرات أغلى → هامش أقل → تذاكر أغلى أو رحلات أقل. الضحية الثالثة: الملابس والتجارة الإلكترونية وهنا تظهر SHEIN. أحد أسرار نموذج الشركة كان القدرة على نقل كميات ضخمة من المنتجات بسرعة إلى المستهلكين حول العالم. لكن السرعة نفسها تصبح نقطة ضعف عندما ترتفع تكلفة الطيران والشحن. المبيعات العالمية للشركة ارتفعت بالكاد 0.9% في الربع، بينما تراجعت في أوروبا 13.9% وفي الولايات المتحدة 6%، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل والشحن. والنتيجة أن المستثمر لم يعد يسأل فقط عن نمو المبيعات، وإنما عن قدرة نموذج «ملابس رخيصة + توصيل سريع عالمي» على الحفاظ على ربحيته في عالم أصبحت فيه الخدمات اللوجستية أغلى. الضحية الرابعة: البلاستيك والكيماويات هنا تصبح السلسلة أوسع بكثير. البولي إيثيلين والبولي بروبيلين يدخلان في كل شيء تقريبًا: العبوات، السيارات، الألعاب، الملابس، المنتجات المنزلية وحتى زجاجات المياه. وبحسب بيانات نقلتها رويترز عن Rabobank، تمر منتجات بتروكيماوية بقيمة تقارب 20 إلى 25 مليار دولار سنويًا عبر هرمز، فيما شكّل الشرق الأوسط أكثر من 40% من صادرات البولي إيثيلين العالمية في 2025. وعندما ترتفع أسعار المواد الخام والنقل، تحاول شركات الكيماويات تمرير جزء من التكلفة إلى العملاء. وهنا تظهر حلقة أخرى: هرمز → لقيم وبتروكيماويات أغلى → بلاستيك أغلى → عبوات ومكونات أغلى → تكلفة أعلى لمئات الصناعات. الضحية الخامسة: الزراعة.. ثم الطعام ربما تكون هذه أخطر حلقة على المدى الأطول. قبل الحرب، كان نحو ثلث اليوريا المتداولة عالميًا ونحو نصف الكبريت المنقول بحرًا يمران عبر مضيق هرمز، وفق بيانات نقلتها رويترز. واليوريا واحدة من أهم الأسمدة النيتروجينية المستخدمة في الزراعة عالميًا. عندما تتعطل الشحنات أو ترتفع تكلفتها، ترتفع أسعار الأسمدة، وقد يقلل بعض المزارعين استخدامها، بما قد يضغط لاحقًا على إنتاجية المحاصيل وأسعار الغذاء. وهنا تصبح السلسلة أطول: هرمز → أسمدة أقل وأغلى → تكلفة الزراعة ↑ → المحاصيل ↓ أو أسعارها ↑ → الغذاء أغلى. الضحية السادسة: الصناعة الأوروبية هناك ضحية أقل وضوحًا أيضًا: المصانع كثيفة استهلاك الطاقة. تعطل جزء من تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز يدفع المشترين الآسيويين والأوروبيين إلى المنافسة على إمدادات بديلة في السوق العالمية. وهذه ليست مشكلة فاتورة كهرباء منزلية فقط. الغاز مادة أساسية في صناعات مثل الكيماويات والأسمدة والزجاج والمعادن، وبالتالي يمكن لارتفاعه أن يضغط على تنافسية المصانع وهوامشها. ليست كل القطاعات خاسرة لكن خريطة هرمز ليست قائمة خسائر فقط. ارتفاع أسعار الطاقة وهوامش التكرير يمكن أن يدعم أرباح بعض شركات النفط والتكرير، بينما قد تستفيد شركات نقل بحري معينة من ارتفاع أسعار الشحن إذا استطاعت الاستمرار في التشغيل وإدارة المخاطر. كما يمكن أن تستفيد مناطق إنتاج بعيدة عن الخليج من إعادة رسم سلاسل الإمداد. وفي البتروكيماويات مثلًا، قد تحصل مناطق تعتمد على مواد خام محلية أرخص على ميزة نسبية أمام منتجين أكثر تعرضًا للنفط والنقل البحري. ولهذا فالحرب لا تنقل الثروة فقط بين الدول؛ بل يمكن أن تنقل الميزة التنافسية بين الشركات والقطاعات. الخطر الحقيقي: الأثر الذي يصل متأخرًا أكبر خطأ عند متابعة هرمز هو النظر فقط إلى شاشة أسعار النفط. السوق يرى برنت فورًا. لكن المستهلك قد لا يرى أثر هرمز إلا بعد أسابيع أو شهور، عندما يعاد تسعير عقد شحن، أو تنتهي مخزونات شركة، أو تصل شحنة مواد خام أغلى، أو يقرر مصنع تمرير التكلفة، أو ترفع شركة طيران أسعار التذاكر. لهذا فإن نتائج SHEIN تستحق القراءة باعتبارها أكثر من مجرد نتائج ضعيفة لشركة أزياء. إنها نافذة على «الاقتصاد الخفي للحرب». صدمة تبدأ في ممر مائي ضيق، ثم تنتقل من النفط إلى الناقلة، ومن الناقلة إلى المصنع والطائرة والمخزن، قبل أن تصل في النهاية إلى المستهلك. وقد تكون أهم أرقام هرمز خلال الشهور المقبلة ليست سعر برميل النفط وحده، بل هوامش أرباح الشركات التي لم يكن أحد يتوقع أصلًا أن تصبح من ضحايا المضيق.