💡 خلاصة التحليل:
يتعرض الذهب لضغوط مع ارتفاع عوائد السندات وتوقعات بقاء الفائدة مرتفعة، رغم استمرار مشتريات البنوك المركزية وتدفقات صناديق الذهب، ما يجعل اتجاه المعدن مرتبطًا بتوازن العوائد المرتفعة مقابل الطلب العالمي طويل الأجل.
قبل أشهر فقط، كان السؤال في سوق الذهب: هل يصل المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية جديدة؟
اليوم، تغيّر السؤال تمامًا.
بعد موجة صعود قوية، دخل الذهب في واحدة من أكثر فتراته تقلبًا خلال 2026، وأنهى سبتمبر على خسارة شهرية تقارب 6.6%، في وقت بدأت فيه توقعات عدد من بيوت الاستثمار تجاه المعدن الأصفر تصبح أكثر تحفظًا.
لكن المفارقة أن المشكلة ليست في اختفاء المشترين.
فالبنوك المركزية ما زالت تشتري، والأموال ما زالت تتدفق إلى صناديق الذهب المتداولة، والتوترات الجيوسياسية لم تختفِ.
فلماذا أصبح المزاج أكثر تشاؤمًا؟
القصة بدأت من سوق السندات
لفهم ما يحدث للذهب، ربما علينا أن نترك شاشة الذهب للحظة وننظر إلى سوق آخر تمامًا: سندات الخزانة الأميركية.
أنهى عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات سبتمبر عند نحو 5.29%، بعد واحدة من أكبر القفزات الفصلية في العوائد منذ عقود.
وهنا تتغير المعادلة بالنسبة للمستثمر.
الذهب لا يدفع فائدة أو توزيعات نقدية. لذلك عندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد مرتفع من أصل مثل سندات الخزانة الأميركية، ترتفع «تكلفة الفرصة البديلة» للاحتفاظ بالذهب.
ببساطة: كلما ارتفع العائد الحقيقي المتاح في السندات، احتاج الذهب إلى سبب أقوى لإقناع الأموال بالبقاء فيه.
الفيدرالي غيّر اللعبة
في بداية دورة التسعير، كانت الأسواق تراهن على مسار أكثر تيسيرًا للسياسة النقدية.
لكن الصورة تغيرت.
توقعات أعضاء الاحتياطي الفيدرالي المنشورة في سبتمبر وضعت الوسيط المتوقع للفائدة عند 4.1% بنهاية 2026، مقابل 3.8% في توقعات يونيو. كما رفع الفيدرالي توقعاته لتضخم PCE لعام 2026 إلى 3.7%.
وهذا مهم للذهب.
لأن سيناريو «فائدة أعلى لفترة أطول» يعني أن المنافس الذي لا يستطيع الذهب دفعه — العائد النقدي — أصبح أقوى.
وحتى التضخم لم يعد كافيًا
المفارقة الأكبر ظهرت خلال سبتمبر.
لدينا توترات جيوسياسية، وضغوط تضخمية مرتبطة بالطاقة، وعدم يقين اقتصادي وسياسي؛ وهي بيئة كان يُفترض تقليديًا أن تمنح الذهب دفعة قوية باعتباره ملاذًا.
ومع ذلك تراجع الذهب.
السبب أن المستثمر لا يتعامل مع التضخم وحده.
إذا أدّى ارتفاع التضخم إلى توقع فائدة أعلى وعوائد سندات أعلى ودولار أقوى، يمكن لهذه العوامل أن تطغى مؤقتًا على الطلب الدفاعي على الذهب.
وهنا تكمن العقدة الحالية.
الخوف موجود بالفعل، لكن تكلفة شراء الحماية أصبحت مرتفعة.
لكن هناك شيء لا يتناسب مع قصة التشاؤم
لو كانت قصة الذهب قد انتهت بالفعل، كان من المفترض أن نرى المشترين الكبار ينسحبون.
لكن البيانات تقول شيئًا مختلفًا.
وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية صافي 23 طنًا من الذهب في يوليو، ووصل إجمالي مشترياتها المعلنة منذ بداية العام وحتى ذلك الوقت إلى نحو 130 طنًا.
وفي الصين تحديدًا، تسارعت المشتريات الرسمية لاحقًا، وسجل بنك الشعب الصيني شراء 20 طنًا خلال أغسطس، وهي أكبر مشتريات شهرية له منذ أكتوبر 2023.
هناك إذن مشترٍ طويل الأجل لم يختفِ.
والمستثمرون لم يهربوا أيضًا
الأغرب أن صناديق الذهب المتداولة ما زالت تستقبل أموالًا.
فبعد صعود الذهب بنحو 13% خلال أغسطس، مدفوعًا جزئيًا بتدفقات قوية إلى صناديق ETF، استمرت تدفقات استثمارية مهمة رغم التراجع اللاحق في السعر.
وهذا يصنع مشهدًا غير معتاد:
السعر يتعرض للضغط، بينما أجزاء مهمة من الطلب الاستثماري والرسمي ما زالت موجودة.
إذن.. لماذا تخفض البنوك توقعاتها؟
لأن توقع سعر الذهب ليس تصويتًا على ما إذا كان الذهب «جيدًا» أو «سيئًا».
إنه نتيجة لمعادلة تتغير باستمرار.
إذا تغيرت افتراضات الفائدة، والعوائد الحقيقية، والدولار، والتضخم، فمن الطبيعي أن تتغير معها القيمة التي تتوقعها النماذج للذهب.
ولهذا فإن تخفيض مستهدف سعري لا يعني بالضرورة أن البنك يتوقع انهيار الذهب.
قد يعني ببساطة أن السيناريو الاقتصادي الذي بُني عليه المستهدف القديم لم يعد قائمًا.
المعركة الحقيقية
ربما لهذا السبب لا يمكن اختصار قصة الذهب الحالية في كلمة «تشاؤم».
هناك قوتان تتحركان في اتجاهين متعاكسين.
في الجانب الأول: عوائد أميركية مرتفعة، فائدة مرشحة للبقاء مرتفعة، ودولار أكثر قوة؛ وهي عوامل تضغط على الذهب.
وفي الجانب الآخر: مشتريات بنوك مركزية، تدفقات استثمارية، رغبة في تنويع الاحتياطيات، وتوترات جيوسياسية تمنح الذهب طلبًا هيكليًا يصعب تجاهله.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تخفض البنوك مستهدفاتها، وفي الوقت نفسه يستمر بعض أكبر المشترين في العالم في إضافة الذهب إلى خزائنهم.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم الآن:
هل انتهى صعود الذهب؟
بل:
أي القوتين ستصمد لفترة أطول: عائد يتجاوز 5% على السندات الأميركية، أم الطلب العالمي الذي لا يزال مستعدًا لشراء الذهب رغم كل شيء؟
هذه ليست نصيحة استثمارية.